ففي ظل الواقع الراهن حتى كتابة هذا المقال، وبعد الهجوم الواسع في 28 فبراير الماضي، الذي أدى إلى مقتل مرشد إيران الأعلى علي خامنئي دفعة واحدة مع عدد من المسؤولين الإيرانيين رفيعي المستوى في القيادة العليا في إيران، فإن سيناريو استمرار الحرب مع بقاء دول الخليج في" مربع الحياد الهجومي" يخلق معادلة استنزاف فريدة من نوعها.
ليس ذلك فقط، إذ إن غياب القواعد الخليجية القريبة من ميدان القتال سيجعل من الصعب تنفيذ حملة جوية مكثفة ومستمرة قادرة على شل قدرات إيران الصاروخية المتنقلة بشكل نهائي، وهو ما قد يحول ساحة المعركة إلى ساحة مطاردة وتبادل لإطلاق النيران بشكل طويل ومكلف أيضًا.
ويبدو أيضًا أن استمرار الحرب دون فتح الأجواء والقواعد الخليجية للعمليات الهجومية سيجعل الولايات المتحدة وإسرائيل تواجهان تحديات تقنية معقدة، إذ إن الاعتماد الكلي على الصواريخ الجوالة كصواريخ التوماهوك مثلًا، والقاذفات بعيدة المدى المنطلقة من خارج المنطقة، سيؤدي حتمًا إلى تناقص المخزون الاستراتيجي الأمريكي من الذخيرة بسرعة.
وأيضًا فإنه مع حاجة الولايات المتحدة إلى تأمين جبهات أخرى في آسيا وأوروبا، حتى مع بقاء الدعم الأوروبي، والذي سيظل فيما يبدو محصورًا في تأمين الملاحة وحماية القواعد الصديقة، نتيجة للانقسام الداخلي بين القوى الأوروبية، إذ تخشى بعض دول أوروبا من موجات لجوء جديدة أو اضطرابات اقتصادية ناتجة عن تقلبات أسعار الطاقة، لذا فإن أغلب الظن أن الدول الأوروبية ستضغط باتجاه" حل دبلوماسي" تحت مظلة الأمم المتحدة، مما قد يضعف استراتيجية" الضغط الأقصى" العسكرية التي تتبناها إدارة ترامب وإسرائيل.
يرى بعض خبراء الاقتصاد أيضًا أن استمرار المعارك لفترة أطول وإغلاق مضيق هرمز، فإن ذلك من شأنه أن يحول منطقة الخليج إلى" مخزن طاقة محاصر"، وسترتفع أسعار النفط، خاصة وأن التوقعات تشير إلى أن استمرار إغلاق أو اضطراب مضيق هرمز قد يدفع البرميل لتجاوز 150 دولارًا وربما أكثر.
ذلك بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف التأمين للحاويات، إذ إنه حتى لو لم تُضرب المنشآت الخليجية مباشرة، فإن" علاوة المخاطر" ستجعل تكاليف الشحن من المنطقة باهظة، مما قد يدفع القوى الآسيوية، مثل الصين والهند، إلى الضغط على واشنطن لإنهاء الصراع بأي ثمن.
والحقيقة أنه إذا استمر السلوك الخليجي الحالي بعدم الرد على الهجمات الإيرانية، فإن واشنطن وقوات الكيان الصهيوني سيجدان نفسيهما في مواجهة" إيران الجريحة" التي تملك قدرة على البقاء رغم الضربات، خاصة مع تباطؤ خيار" تغيير النظام الإيراني"، إذ يبدو أن الأمر شبه مستحيل دون غزو بري، وهو أمر مستبعد استراتيجيًا.
والحقيقة أيضًا أن" مجلس القيادة المؤقت" في إيران قد ينجح في الحفاظ على تماسك الدولة عبر إثارة المشاعر القومية ضد العدوان الخارجي، وهو ما قد يعزز استقرار الداخل الإيراني نسبيًا، ويدفع بفشل خطة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني إلى زعزعة النظام الإيراني من الداخل وإسقاطه دون التدخل العسكري، وهو سيناريو بات مشكوكًا في نجاحه.
أثبت الموقف الخليجي، بقيادة السعودية، أنه ليس مجرد" رد فعل"، وأنه يملك استراتيجية مدروسة بعناية لإدارة التوازن بين الحليف الأمريكي والجار الإيراني الصعب، بل إن التطورات الحالية في المعركة ربما تثبت أن الرياض ومسقط هما الوحيدتان القادرتان على فتح" مخرج طوارئ" دبلوماسي، مما يعزز الثقل السياسي لدول الخليج كقوة توازن، وليس مجرد تابع عسكري، وهو ما سيحول الخليج إلى" وسيط إجباري" في نهاية المطاف، حيث ربما سيجد الجميع أن خيار التهدئة والعودة إلى المفاوضات هو الخيار الوحيد الصائب، بل والممكن في ظل الأحداث المتسارعة.
من المهم أن تدرك الولايات المتحدة أنها غامرت واتخذت قرارًا صعبًا منفردة دون الرجوع إلى الحلفاء العرب، رغم إعلان السعودية ودول خليجية أخرى مثل قطر والكويت وعُمان بوضوح أنها لن تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها لشن هجمات ضد إيران، وهو ما كان يقتضي من الولايات المتحدة المشاورة مع تلك الدول قبل الإقدام على الانسياق في مغامرة الكيان الصهيوني.
صحيح أن دول مجلس التعاون الخليجي شرعت في" الدفاع الجوي المتكامل"، حيث اعترضت كل من السعودية والإمارات مئات المسيّرات والصواريخ بنسب نجاح عالية، لكنهما مع ذلك رفضتا تحويل هذا الدفاع إلى منصة للهجوم، مفضلتين ألا تكونا" وقودًا" لحرب إقليمية شاملة، وهو ما يعد بمثابة دبلوماسية وقائية حكيمة، رغم الإدانات الشديدة للهجمات الإيرانية، حيث حافظت كل من الرياض وأبوظبي على قنوات اتصال دبلوماسية مع طهران لمنع الانزلاق إلى نقطة اللاعودة، وهو ما أحبط فيما يبدو الرغبة الإسرائيلية في رؤية" جبهة عربية-إسرائيلية" موحدة تقاتل في خندق واحد.
وأخيرًا أستطيع أن أقول إن دول الخليج، التي كان يمكن أن يتعرض أمنها واستقرارها لخطر كبير، نجحت في تحويل تلك الأزمة الخطيرة إلى" استقلال استراتيجي"، إذ يبدو من الموقف العربي أن هناك قرارًا عربيًا حكيمًا موحدًا جعلها لم تعد تقبل بأن تكون ساحة معركة لتصفية الحسابات الأمريكية-الإيرانية.
هذا الموقف جعل المعركة الحالية تبدو كأنها" مبارزة عن بعد" بين إسرائيل وإيران، بينما تركز دول الخليج على تعزيز دفاعاتها الذاتية وحماية مكتسباتها الاقتصادية، في ظل ترقب عربي ودولي عما ستسفر عنه تلك المعركة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك