في حلقة جديدة من برنامج" قال الحكيم"، قدَّم الإعلامي أسعد طه تأملا فكريا بشأن العلاقة بين الخوف والرجاء في مسيرة الإنسان نحو الله، متوقفا عند أثر هذين المعنيين في تهذيب النفس وتوجيهها.
واستهل طه الحلقة بمشهد تأملي وهو مستلقٍ على العشب يراقب سربا من الطيور يعبر السماء، متسائلا إن كانت تلك الطيور قد هاجرت خوفا أم سافرت رجاء، ليطرح سؤالا أعمق: هل يسير الإنسان إلى الله خائفا من عذابه أم راجيا رحمته؟وتوقف البرنامج عند مفهوم الخوف بوصفه شعورا إنسانيا ضروريا، مستشهدا برأي الفيلسوف الهولندي إيرازموس الذي عَدَّ غياب الخوف في المواقف الخطرة علامة على البلاهة لا الشجاعة، مؤكدا أن الخوف حين يكون في موضعه دليل وعي وسلامة عقل.
وفي مقابل الخوف، أشار طه إلى قيمة الرجاء في حياة الإنسان، مستحضرا مثال الموسيقار لودفيغ فان بيتهوفن الذي كان يقول بثقة إنه سيستعيد سمعه في الجنة، موضحا أن الرجاء حين يقترن بالثقة يتحول إلى قوة تدفع الإنسان إلى الأمام رغم الألم.
وانتقل البرنامج بعد ذلك إلى التراث الإسلامي، واستعرض طه أقوال عدد من العلماء الذين تناولوا معنى الخوف والرجاء في سلوك المؤمن، فاستحضر قول شيخ الزهاد والعارفين في القرن الثالث الهجري" ذو النون المصري" إن الناس ما دام الخوف قائما في قلوبهم فهم على الطريق، فإذا زال ضلوا.
كما توقف عند رؤية الفقيه والمفكر الإسلامي الإمام أبي حامد الغزالي في كتاب" إحياء علوم الدين"، الذي ربط الخوف الحقيقي بمعرفة الله.
وتناول طه أيضا موقف العالم الصوفي ابن عطاء الله السكندري الذي حذر من أن يتحول الخوف إلى باب لليأس، مؤكدا أن وقوع الإنسان في الذنب لا ينبغي أن يقطع رجاءه في الاستقامة والعودة إلى الله.
وفي استعراضه لآراء العلماء، أشار طه إلى ما ذهب إليه الفقيه والمفكر ابن القيم الجوزية من أن القلب ينبغي أن يغلب عليه الخوف حتى لا يفسده الرجاء، في حين رأى العالم والمؤلف عبد الكريم القشيري أن الرجاء إذا حل في القلب أزال عنه غبار اليأس.
كما استحضر مقولة العالم والواعظ يحيى بن معاذ الرازي التي دعت إلى التوازن بين المعنيين، إذ رأى أن مَن عبد الله بالخوف وحده غرق في القلق، ومَن عبده بالرجاء وحده وقع في الغرور، أما من جمع بينهما فقد استقام على الطريق.
وتوقف البرنامج عند رؤية العالم في الزهد والتربية أبي عبد الله المحاسبي الذي جعل علامة الخوف الصادق ترك ما يكرهه الله، مؤكدا أن الخوف ليس مجرد شعور بل هو سلوك ينعكس في أفعال الإنسان.
وشدَّد أسعد طه على أن الخوف والرجاء منزلتان متلازمتان في بناء الإيمان، مستحضرا قول أحد شيوخ التصوف الأوائل أبي حفص إن الخوف سراج في القلب يبصر به الإنسان الخير والشر، وإن الإنسان قد يهرب من كل ما يخافه إلا الله، إذ إن الخوف منه يدفع إلى الهروب إليه والرجاء في ما عنده.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك