بين أحياء دمشق القديمة العابقة بتاريخها العريق، يمتد حي قبر عاتكة بحاراته الدافئة وأزقته المتلاصقة وبيوته العتيقة، ليجسد ذاكرة حية تتجدد مع كل شهر رمضان بطقوسها الروحانية وأجوائها المليئة بالألفة والمحبة.
يُنسب الحي إلى السيدة عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وهي من الشخصيات البارزة التي عاشت في القرن الأول الهجري، وكانت زوجة الخليفة عبد الملك بن مروان، وأمّ الخليفتين يزيد بن عبد الملك ومروان بن عبد الملك، وذلك وفق ما أوضحه الباحث في التراث الشعبي محيي الدين قرنفلة في تصريح لـ سانا.
وأكد قرنفلة أن الحي كان في الماضي مزاراً معروفاً امتزج فيه الطابع الديني بالعمراني، لافتاً إلى أنه تحوّل مع مرور الزمن إلى منطقة سكنية تقليدية تضم عدداً من المزارات، مع محافظته على قيم التضامن الاجتماعي وإحياء ذكرى صاحبة الحي من خلال أعمال الخير والصدقات، ولا سيما خلال شهر رمضان المبارك.
يمتاز حي قبر عاتكة ببيوته الدمشقية التقليدية ذات الباحات الواسعة و”البحرة” في وسط الدار، إضافة إلى ملامح عمرانية تراثية تظهر في طراز بناء بعض مآذن مساجده، وقد تحوّل الحي عبر القرون من منطقة قصور إلى حي سكني شعبي حافظ على روحه التاريخية وخصوصيته الدينية وفق قرنفلة.
عدد من سكان الحي أكدوا أن الارتباط بتاريخ المكان يشكل جزءاً من هويتهم اليومية، إذ توارثوا الحكايات المرتبطة بالسيدة عاتكة والشخصيات المدفونة في المنطقة، الأمر الذي أسهم في تعزيز روح التضامن الاجتماعي بينهم، ولا سيما خلال المناسبات الدينية.
بدوره قال مصطفى زغلول: “إن شهر رمضان يعيد إحياء روح المكان، حيث تزداد الزيارات إلى المقام، وتتعالى أصوات الدعاء، فيما تتزين الأزقة بالفوانيس، وتبقى البيوت مفتوحة لاستقبال الأقارب والجيران”.
ويبقى حي قبر عاتكة واحداً من أقدم أحياء دمشق، وشاهداً على حقبة تاريخية مهمة، وعلى تحولات عمرانية واجتماعية متعاقبة، فيما يحافظ سكانه على تقاليدهم المتوارثة، لتبقى أزقته شاهدة على امتزاج التاريخ بالحياة اليومية، ولا سيما في ليالي شهر رمضان التي تمنحه بعداً روحياً خاصاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك