للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، دخل طلاب الشهادة الإعدادية في سوريا قاعات الامتحان اليوم، على أن يلتحق بهم طلاب الشهادة الثانوية يوم السبت المقبل، من دون الإجراء الذي اعتاد عليه السوريون في كل موسم امتحاني: قطع الإنترنت والاتصالات الخلوية لساعات يومياً.
القرار الذي أعلنته وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات هذا العام لا يقتصر على كونه تغييراً إدارياً، بل يعكس تحولاً في آلية التعامل مع أمن الامتحانات.
فبدلاً من تعطيل الشبكات على نطاق واسع، تتجه الجهات المعنية إلى حلول تقنية أكثر دقة تستهدف محاولات الغش وتسريب الأسئلة مباشرة، من دون التأثير على ملايين المستخدمين أو القطاعات الاقتصادية والخدمية التي باتت تعتمد بشكل متزايد على الاتصال الدائم بالإنترنت.
ورغم أن الوزارة لم تكشف تفاصيل الأنظمة التي جرى اعتمادها، فإن التجارب العالمية خلال السنوات الأخيرة تقدم نماذج متعددة للأدوات والتقنيات التي أصبحت تشكل خط الدفاع الأول في مواجهة الغش الإلكتروني وتسريب الأسئلة.
من الإغلاق الشامل إلى" الحماية الذكية"شهد العالم خلال العقد الأخير تحولاً ملحوظاً في أساليب مكافحة الغش الامتحاني، فمع تطور وسائل الاتصال وانتشار الهواتف الذكية والساعات الإلكترونية وسماعات البلوتوث المصغرة، لم تعد الحلول التقليدية كافية، في حين أصبحت عمليات قطع الإنترنت الشاملة محل انتقاد متزايد بسبب آثارها الاقتصادية والاجتماعية.
لذلك، اتجهت دول عديدة إلى ما يصفه خبراء الأمن الرقمي بـ" الحماية الذكية"، أي استهداف مصادر الخطر بدقة بدلاً من تعطيل البنية التحتية للاتصالات بالكامل.
ما التقنيات التي قد تكون اعتمدتها وزارتا الاتصالات والتربية؟رغم أن وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات لم تكشف رسمياً عن طبيعة الأنظمة التي زودت بها وزارة التربية، واكتفت بالإشارة إلى" تقنيات وأنظمة لمكافحة تسريب الأسئلة والغش" من دون تفاصيل فنية، فمن المرجح أن تكون الحلول المستخدمة مزيجاً من تقنيات معمول بها عالمياً.
وفي مقدمة هذه الحلول تبرز أجهزة كشف الإشارات اللاسلكية، القادرة على رصد الهواتف المخفية والسماعات الإلكترونية وأي أجهزة إرسال أو استقبال تعمل داخل القاعات الامتحانية.
وتُستخدم هذه الأنظمة على نطاق واسع في الامتحانات الوطنية والاختبارات المهنية حول العالم، إذ تستطيع اكتشاف النشاط اللاسلكي غير المصرح به من دون الحاجة إلى تعطيل الشبكة العامة.
كما يُرجح أن تكون بعض المراكز الامتحانية قد زُوّدت بأجهزة تشويش موضعية محدودة النطاق، تعمل ضمن حدود المدرسة أو القاعة الامتحانية فقط، وتمنع الاتصالات الخلوية داخل نطاق محدد من دون التأثير على بقية المدينة أو المحافظة.
ويُعد هذا الخيار أكثر دقة من قطع الإنترنت على مستوى البلاد.
ومن بين التقنيات الأخرى، التي سبق أن تحدثت وزارة التربية عن نيتها استخدامها خلال السنوات الماضية، أنظمة تتبع أوراق الأسئلة عبر رموز تعريف فريدة (QR Code أو Barcode)، بما يسمح بتحديد مصدر أي نسخة يتم تصويرها أو تسريبها، والكشف عن أي خلل في سلسلة توزيع الأسئلة خلال وقت قصير.
كما تتوافر أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتحليل الفيديو، من خلال ربط كاميرات المراقبة ببرمجيات قادرة على رصد السلوكيات غير الاعتيادية داخل القاعات، مثل الحركة المتكررة أو تبادل الإشارات أو التجمعات غير المبررة حول مراكز توزيع الأسئلة.
وقد بدأت عدة دول آسيوية باستخدام هذه التقنيات خلال السنوات الأخيرة.
أما على مستوى حماية الأسئلة نفسها، فتشير التجارب الدولية إلى أن الحل الأكثر فاعلية لا يقتصر على داخل القاعة الامتحانية، بل يبدأ قبل وصول الأسئلة إليها.
لذلك قد تشمل الإجراءات الجديدة أنظمة لتشفير الملفات الامتحانية، وآليات تحقق رقمية عند الطباعة والتوزيع، وسجلات إلكترونية توثق كل مرحلة من مراحل تداول الأسئلة منذ إعدادها وحتى فتح المغلفات داخل المراكز الامتحانية.
ما السيناريو الأقرب إلى الواقع؟بحسب طبيعة البنية التحتية السورية والتكلفة التشغيلية لهذه الأنظمة، يبدو أن الحل الأقرب يتمثل في مزيج من أجهزة التشويش الموضعي المحدود وتشديد الرقابة على تداول الأسئلة، بدلاً من الاعتماد على أنظمة ذكاء اصطناعي واسعة النطاق كما هو الحال في بعض الدول المتقدمة.
ويبدو هذا الاحتمال أكثر انسجاماً مع تصريح الوزارة بأن التقنيات الجديدة ألغت الحاجة إلى قطع الاتصالات، من دون أن تؤدي إلى تعطيل الخدمات العامة.
هل تكون سوريا أمام نموذج جديد؟قد يشكل عدم قطع الإنترنت خلال امتحانات هذا العام مؤشراً على انتقال سوريا من سياسة" المنع الشامل" إلى سياسة" الإدارة التقنية للمخاطر".
فبدلاً من تعطيل الاتصالات عن ملايين المستخدمين لمنع عدد محدود من محاولات الغش، يتجه العالم اليوم نحو أدوات أكثر دقة تعتمد على المراقبة الإلكترونية، واكتشاف الأجهزة المخفية، وتأمين الأسئلة رقمياً، وتحليل البيانات والأنماط السلوكية.
ويبقى نجاح التجربة السورية مرتبطاً بقدرة هذه الإجراءات على تحقيق الهدف الأساسي: حماية نزاهة الامتحانات من دون المساس بالخدمات التي أصبحت جزءاً أساسياً من الحياة اليومية.
وستشكل الأيام المقبلة الاختبار الحقيقي لأول تجربة سورية تعتمد التكنولوجيا بديلاً عن إطفاء الشبكة بالكامل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك