داخل خيمة قماشية مهترئة في أحد مخيمات النزوح غير المدعومة وسط مدينة غزة، يعيش الفلسطيني باسم العجلة يوميات ثقيلة بقلب مفتوح وشريان أورطي بلاستيكي يرافقه في رحلة النزوح القاسية جزءاً دائماً من جسده المتعب.
لم تعد الخيمة مجرد مأوى مؤقت، بل صارت بيئة قاسية تزيد من وطأة الألم، حيث الرطوبة والغبار وغياب أدنى مقومات الراحة، في وقت يحتاج فيه إلى استقرار صحي دقيق ومتابعة طبية منتظمة لا تحتمل الانقطاع.
وُلد العجلة بتشوه خلقي في القلب، إذ خلق بصمام واحد بدلاً من صمامين ينظمان تدفق الدم من القلب وإليه، ما تسبب بخلل وظيفي خطير تطلب تدخلاً جراحياً معقداً، أجرى الأطباء عملية قلب مفتوح، تم خلالها زراعة شريان بلاستيكي داخل الشريان الأورطي لتعويض الخلل وضمان استمرار تدفق الدم بصورة منتظمة، ومنذ ذلك الحين، باتت حياته مرتبطة بأدوية تنظيم سيولة الدم وفحوصات دورية دقيقة، لأن أي اضطراب قد يعرضه لخطر الجلطات.
خلال الحرب الإسرائيلية على غزة، ومع تصاعد القصف والنزوح المتكرر والضغط النفسي الشديد، تدهورت حالته بشكل مفاجئ، النزوح من حي الشجاعية، شرقي مدينة غزة، إلى مدينة رفح، جنوبي القطاع، شكل نقطة تحول قاسية في حياته، إذ انتقل من بيت يعرف تفاصيله إلى خيمة لا توفر له الحد الأدنى من متطلبات مريض قلب مفتوح.
ويوضح باسم العجلة لـ" العربي الجديد" أنه وفي أحد أيام النزوح، وبينما كان يسير لشراء بعض حاجيات الخيمة، سقط مغشياً عليه في طريق المخيم، سارع النازحون إلى إسعافه ونُقل إلى مستشفى أبو يوسف النجار، لتُفاجأ أسرته بتشخيص إصابته بشلل نصفي نتيجة جلطة دماغية، كانت الصدمة مضاعفة، قلب مفتوح يعاني أصلاً، وجسد يفقد نصف قدرته على الحركة دفعة واحدة.
يستعيد العجلة تلك اللحظة في حديثه لـ" العربي الجديد" بصوت متعب قائلاً: " هربت من القصف بحثاً عن الأمان، لكنني وجدت نفسي أواجه معركة أخرى داخل جسدي، عندما استيقظت ولم أستطع تحريك يدي وقدمي، شعرت أنني فقدت كل شيء دفعة واحدة"، يضيف: " لم أفكر وقتها إلا في أسرتي وأهلي، كيف سأعيش بهذه الحالة؟ وكيف سأوفر لهم ما يحتاجونه وأنا عاجز عن الحركة؟ ".
بعد تلقي العلاج، تمكن باسم العجلة تدريجياً من تحريك يده اليسرى وقدمه اليسرى اللتين تأثرتا بجلطتين، وبدأت تظهر استجابة بسيطة بفضل جلسات العلاج، إلا أن التعافي بقي بطيئاً ومتقطعاً، وهو اليوم يتابع حالته في مجمع الشفاء الطبي غربي مدينة غزة، حيث يخضع لمتابعة خاصة بالأمراض المزمنة وتنظيم سيولة الدم، وهي مسألة حيوية لمريض بصمام وشريان اصطناعيين.
ويشير العجلة إلى أن الأزمة الأكبر تكمن في غياب الدواء الأساسي المنظم لسيولة الدم، نتيجة عدم توفره بشكل كاف، ما اضطره لاستخدام بدائل أقل فعالية، الأمر الذي انعكس مباشرة على نتائج الفحوصات، يوضح قائلاً: " المعدل المفترض للسيولة عندي يجب أن يكون 2.
5 لكن مع الدواء البديل تنخفض النسبة إلى 1، وهذا يعني أن الدم أكثر عرضة للتجلط".
هذا الانخفاض يجبره على زيادة الجرعة الأسبوعية لتعويض النقص، ما يستدعي إجراء فحوصات بشكل متكرر كل أسبوع، بعدما كان يجريها مرة واحدة شهرياً عند توفر الدواء الأساسي، ويضيف: " دخلت في دوامة لا تنتهي، أزيد الجرعة حتى أرفع النسبة، ثم أحتاج فحصاً جديداً، وأخاف في كل مرة من نتيجة غير مطمئنة، أشعر أن حياتي معلقة برقم في ورقة تحليل".
من جانب آخر، يعاني العجلة من انعدام أي مصدر للدخل، حيث كان قبل الحرب يعمل في قطاع البناء والإنشاءات، ويعتمد على جهده اليومي لتأمين احتياجات أسرته، لكن توقف هذا القطاع بالكامل منذ بدء العدوان أفقده مصدر دخله الوحيد، فاجتمعت عليه البطالة والمرض وتكاليف العلاج المتزايدة.
ولا تتوقف معاناة العجلة عند حدود المرض والدواء، بل تمتد إلى تفاصيل يومه البسيطة التي تحولت إلى اختبارات قاسية، فكل تغير في الطقس داخل الخيمة ينعكس مباشرة على جسده المرهق، وكل انقطاع في المتابعة الطبية يزرع في داخله خوفاً مضاعفاً من انتكاسة مفاجئة.
ويعيش العجلة اليوم بين خيمة لا تحميه، ودواء غير مستقر، وجسد يتعافى ببطء، يواصل معركته الصامتة متشبثاً بتحسن طفيف في أطرافه اليسرى، وبأملٍ أن يعود يوماً إلى حياة لا تكون فيها النجاة مهمة يومية صعبة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك