بعد أكثر من عقدين على آخر إصدار قصصي مصوَّر جديد له، يعود الكاتب ورسّام القصص المصوَّرة الأميركي روبرت كرامب بكتاب جديد يحمل عنوان" حكايات البارانويا"، " حكايات جنون الارتياب" (نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، دار فانتاغرافيكس)، ليقدّم عملاً مكثفاً يجمع بين السيرة الذاتية والتأملات الشخصية، مع طرح أسئلة نقديةٍ مفتوحة، في سلسلة من القصص المصوَّرة القصيرة.
ويأتي هذا الإصدار في ست وثلاثين صفحة بالأبيض والأسود، متضمناً اثنتي عشرة قصة قصيرة، في ما يُعد أول كتاب قصص مصورة جديدٍ يقدمه كرامب منذ ثلاثة وعشرين عاماً.
يستعيد كرامب، الذي يعد أحد أبرز رموز القصص المصوّرة البديلة في الولايات المتحدة، موقعه في هذا الكتاب بوصفه صوتاً فردياً شديد الخصوصية داخل هذا الفن.
فقد ارتبط اسمه تاريخياً بتجربة المجلة المصورة" زاب كوميكس" Zap Comix التي ساهمت في نهاية ستينيات القرن الماضي في ترسيخ نموذج" مختارات المؤلف الواحد" داخل القصص المصورة المستقلة.
وفي" حكايات البارانويا" يعود كرامب إلى هذا التقليد الذي ساهم في بلورته، مستعيداً أسلوبه القائم في المزج بين الاعتراف الشخصي والتعليق الثقافي والسخرية السوداء.
ينطلق الكتاب من مفهوم" الارتياب" باعتباره حالةً ذهنية تتجاوز مجرد الخوف أو الشك.
ففي الصفحات الأولى يعرّف كرامب الارتياب بكونه شعوراً بالعجز مقروناً بالاعتقاد بأن قوى خفية تسعى إلى إخفاء الحقيقة أو توجيه الأحداث.
ومن خلال هذا المدخل يبني سلسلة من القصص القصيرة التي تتنقل بين هواجسه الشخصية وتأملاته في الواقع المعاصر، حيث يتناول موضوعاتٍ مثل الشركات الدوائية، ونظريات" الدولة العميقة"، وشكوكه في السرديات الرسمية للأحداث.
قصة" سأقف فقط وأفرك يديّ وأبكي"، العجز أمام الأزمات اليومية والعالمية.
تبدأ الرحلة بقصة" سأقف فقط وأفرك يديّ وأبكي"، التي تجسد شعور الفنان بالعجز أمام الأزمات اليومية والعالمية، في حين تطرح" معضلة صعبة" تساؤلاتٍ حول القرارات الأخلاقية وانعكاسها النفسي والاجتماعي، ما يجعل الكتاب تجربة قراءةٍ غنية بالانفعال والتأمل.
أما قصة" نظريات المؤامرة! " فتكشف هواجس كرامب حول المعلومات المضللة والأحداث الغامضة، حيث تتحول المخاوف الشخصية إلى انعكاس لأزمة المعرفة والثقة في العالم المعاصر، فيما تعكس" أسوأ تجربة مع LSD مررتُ بها على الإطلاق (كليفلاند، منتصف 1966)"، لحظة مواجهة حدود الإدراك البشري، مستوحاة من تجربة شخصية عميقة تركت أثراً طويل الأمد في رؤية الفنان الكاتب للعالم.
قصة أخرى بارزة، " قبلة الموت: كارما أعمال بَنتش السيئة"، تكمل عملاً بدأه كرامب مع زوجته الراحلة ألين كومينسكي كرامب قبل وفاتها في 2022، حيث يمتزج الحنين الشخصي بالسخرية السوداء، ويكشف عن جانب حميمي ومؤثر في الكتاب، متقاطعاً مع المواضيع الكبرى التي يعالجها كرامب في بقية القصص.
على المستوى الفني، يظل كرامب وفياً لأسلوبه البصري المعروف، القائم على التظليل المتقاطع الدقيق الذي يمنح اللوحات عمقاً وتعبيراً واضحاً، ويضمن إيقاعاً سردياً بصرياً متماسكاً.
الخطوط الكثيفة والمتداخلة تمنح كل لوحةٍ قوةً انفعالية وتجعل السرد المصور ممتداً بسلاسة بين الصفحات، مع المحافظة على الطابع المميز لصوت الفنان الشخصي والفكاهي في آنٍ واحد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك