ما ميّز «المعتزلة» أنهم لم ينظروا إلى العقل بوصفه نقيضاً للنصّ، بل باعتباره شرطاً أخلاقياً لفهمه.
ولقد كانوا يدركون أن النصّ إذا انفصل عن مقاصده، كما في بقية البنيويات، فقد يتحوّل من وعدٍ بالعدل إلى أداة تبرير غير محسوبة، وأن «الإيمان» الذي لا يُختبر بالعقل، سرعان ما يُختزل إلى طقوسٍ صامتة قوامها الطاعة.
لذلك انشغلوا بالسؤال عن طبيعة العدل قبل السؤال عن حدود القدرة، وعن مسؤولية الإنسان الأخلاقية قبل الجدل في الصفات الممكنة.
في تصوِّرهم، لم يكن «العدل» صفة زائدة يمكن الاستغناء عنها، بل جوهر الفعل الإلهي ذاته.
فالله عزّ وجلّ، من حيث الكمال، لا يُتصوَّر فاعلاً للقبيح، لا لعجزٍ في القدرة، بل لاستحالة الظلم على الحكمة.
بهذا المعنى، أخضعوا القدرة لمعيار أخلاقي، ورفضوا أن تكون المشيئة مبرِّراً لنسف القيم.
ومن هذا التصوُّر تفرّعت رؤيتهم للإنسان كقيمة وجودية، فهو كائنٌ مُخاطَب بالعقل، محمولٌ على الاختيار، ومسؤول عن فعله.
فالتكليف بلا حرية، في نظرهم، عبثٌ لا يليق بعدلٍ إلهي، والمحاسبة لا تستقيم إلّا إذا كان الفعل منسوباً إلى إرادة واعية.
وهكذا تأسّست، في قلب الاعتزال، نزعة أخلاقية لا تفصل الإيمان عن معنى المسؤولية.
حين بدأت حركة الترجمة في العصر العبّاسي، لم تدخل الفلسفة إلى الثقافة العربية كجسدٍ غريب، بل كمرآةٍ تعكس أسئلة كانت كامنة ولم تُصَغ بعد.
فمفاهيم العلّة، والغاية، والضرورة، لم تكن إضافات لغوية، بل أدوات تفكير أعادت ترتيب العلاقة بين العقل والعالم.
وفي هذا السياق، كان المعتزلة الأكثر استعداداً للتفاعل مع هذه الأدوات، لا افتتاناً بالفلسفة، بل بحثاً عن لغة عقلية تحمي المعنى الأخلاقي للدين.
فلم يتعاملوا مع الفلسفة بوصفها بديلاً عن الوحي، ولا أخضعوا النصّ لمنطقها، بل سعوا إلى بناء توازنٍ دقيق يُبقي للعقل وظيفته دون أن يدّعي الاكتمال.
لذلك انصبّ جهدهم على تحليل الفعل الإنساني، بشروطه ودوافعه وحدوده، باعتباره أساس المحاسبة في العلاقات.
وكان سؤالهم المركزي: كيف يكون الإنسان فاعلاً حقاً دون أن يُنتقص من كمال الإله؟ !
في المقابل، برز اتجاه أكثر حذراً، رأى أن إخضاع القيم لمعايير العقل قد يفتح باباً لا يمكن ضبطه.
فتم التشديد على إطلاق القدرة، حتى لو أدّى ذلك إلى تعليق الأحكام الأخلاقية على مُجرّد الأمر أو التأويل.
وعند هذه النقطة تحديداً، لم يعُد الخلاف حول العقيدة، بل حول تصوُّر العدالة نفسها: هل هي قيمة تُعقل، أم حكم مرجعي حازم يُتلقى بلا سؤال؟
وبهذا التحوُّل، تغيّر موقع الإنسان في الخطاب الديني.
فبدلاً من كونه فاعلاً مسؤولاً، صار محلاً للفعل، وبدلاً من تحميله عبء الاختيار، خُفِّف عنه باسم السلامة العقدية.
ولم يكن هذا التحوُّل بلا أثر، إذ مهّد لثقافة دينية تتصالح مع الواقع كما هو، وتبحث عن الحكمة في النتائج الظاهرة لا في المبادئ القائمة!
لم يُقصَ الاعتزال لأنه عجز عن الإقناع، بل لأنه بالغ في طرح السؤال.
فالعقل الذي يُقلق السُّلطة في لحظة استقرارها، يصبح خطراً في لحظة خوفها.
وحين تحوّل هَمّ «الدولة» من البناء إلى الضبط، كما في زماننا هذا، لم يعُد العقل النقدي مرغوباً، حتى صار السؤال عبئاً لا ضرورة.
وفي هذا المناخ، أُعيد تعريف التديُّن بوصفه امتثالاً لا مساءلة، وطاعة لا مسؤولية، حيث لم يعُد معيار الفعل عدالته، بل نسبته إلى مشيئة لا تُسأل.
وهكذا انتقل العقل من كونه أداة للفهم إلى كونه موضع شبهة، وتحوّل الشك المعرفي من فضيلة إلى تهديد!
تدريجياً، تراجعت الفكرة الأخلاقية للدين لصالح تصوُّر طقوسي يكتفي بالشكل ويهمل المعنى.
فقد غابت الأسئلة الكبرى عن العدل والمسؤولية، وحلّ محلها خطاب يرى في الغموض فضيلة، وفي تعطيل العقل نوعاً من الورع.
ومع ذلك، لم يختفِ سؤال المعتزلة مع الزمن المقضي، بل انسحب إلى الهامش الضروري، ينتظر لحظة عودته بمفاهيم الحداثة.
لقد ظل هذا السؤال حاضراً في محاولاتٍ متفرِّقة لإعادة ربط الإيمان بالعدالة، لكنه بقي محاصَراً بالخوف من الاتهام ونزعة العداء في الاختلاف، وبثقل تراثٍ صيغ لخدمة الاستقرار لا الحقيقة.
وكُلّما أُعيد طرحه بنقد العلّة، جرى التعامل معه بوصفه تهديداً لا ضرورة فكرية!
في الخطاب الديني العربي المعاصر، تتجلّى أزمة فكرية عميقة، لا في حقيقة الإيمان ذاته، بل في أثره الأخلاقي.
فالدين حاضر في الشعارات وغائب في ميزان العدالة، وتُستدعى النصوص لتبرير الواقع لا لمساءلته، ويُستحضر الغيب لتعليق النقد لا لتحفيز الضمير على الوعي.
وهنا، مع مرور الزمن وإشكالات المعرفة والمفاهيم، تستعيد تجربة المعتزلة راهنيتها، لا بوصفها مذهباً منسياً، بل كموقف فكري يرفض استخدام المقدّس لإلغاء الإنسان.
فالإيمان الذي لا ينتج عدالة، يتحوّل إلى هُوية صلبة بلا روح، والعقيدة التي تعفي الإنسان من المسؤولية تفقد قدرتها على إصلاح العالم!
لم يعُد المطلوب إحياء الاعتزال تاريخياً بعد كُل هذه الطروحات للخطاب الديني، بل استعادة جوهره الأخلاقي، على قاعدة الشجاعة في السؤال، وربط الإيمان بالفعل، ورفض تحويل المشيئة إلى ذريعة.
بمعنى الإعمال بعقل ديني لا يخاف من النقد، ولا يرى في الأخلاق تهديداً للعقيدة، بل شرطاً لصدقها وحقيقة وجودها.
ربما خسر المعتزلة معركتهم في التاريخ، لكنّهم، بمنهجهم التنويري، لم يخسروا رهانهم على الإنسان بقدرة العقل على النقد.
وفي هذا الزمن العربي المثقل بالانكسارات، يبدو هذا الرهان أكثر إلحاحاً من أي وقتٍ مضى، أن يكون الإيمان مسؤولية أخلاقية بالغة الضرورة في زمن يستدعي العقل إلى جدوى الفكر، لا مهرباً من التفكير وإهمال القدرة على سؤال العقل!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك