لم تعد الفرضية التي حكمت سياسة «الضغط الأقصى» تجاه إيران مجرد أداة عقوبات وضغوط غير مباشرة، بل انتقلت مع اندلاع المواجهة العسكرية المفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى إلى اختبار أكثر خطورة، اختبار القوة الصلبة في مواجهة دولة بنت عقيدتها الأمنية على الصبر الاستراتيجي والرد غير المتكافئ.
الفكرة القديمة التي راهنت عليها إدارات أمريكية متعاقبة، والتي تبناها بوضوح الرئيس دونالد ترامب، تقوم على أن التفوق العسكري، خصوصا الجوي والتكنولوجي، قادر على إعادة تشكيل السلوك السياسي للدول، من دون الحاجة إلى غزو بري شامل.
لكن الانتقال من العقوبات إلى الضربات المتبادلة غيّر طبيعة المعادلة: لم يعد السؤال متعلقا بمدى فاعلية الضغط، بل بحدود القدرة على التحكم في التصعيد ومنع تحوّله إلى حرب إقليمية واسعة.
التاريخ الحديث لا يقدّم أمثلة كثيرة على نجاح القصف وحده في كسر إرادة سياسية عندما تكون هذه الإرادة مرتبطة بالأمن القومي وشرعية النظام لدولة ما.
الضربات قد تُضعف بُنى تحتية، وتُعطّل قدرات عسكرية، لكنها نادرا ما تُسقط منظومة حكم ترى في الصمود شرطا للبقاء.
وفي السياق الإيراني، تبدو هذه الحقيقة أكثر رسوخا، فالنظام لا يستند فقط إلى أجهزة أمنية أو هياكل بيروقراطية، بل إلى سردية ثورية تعتبر نفسها في مواجهة تاريخية مع الهيمنة الغربية، منذ عام 1979، تاريخ اندلاع الثورة الإيرانية، التي أطاحت بعميل مفيد جدا لأمريكا وإسرائيل وهو رضا الشاه بهلوي، وعندما يتحول الصراع إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن وتل أبيب، يُعاد تعريفه داخليا باعتباره معركة سيادة ووجود، لا نزاعا سياسيا محدودا حول برنامج نووي أو نفوذ إقليمي.
في مثل هذا السياق، قد تؤدي الضربات الخارجية إلى نتائج عكسية، قد ينتهي الأمر إلى تعزيز التماسك الداخلي بدل تفكيكه، وإسكات الأصوات الناقدة تحت عنوان أولوية الجبهة، ورفع منسوب التعبئة حول القيادة التي تقود البلد في مواجهة الغزو الخارجي والعدوان الغاشم.
وهنا تكمن مفارقة القوة: كلما ازداد الضغط الخارجي، ازداد استعداد النظام لتحمّل الكلفة، طالما أن التراجع يُقرأ كهزيمة وجودية.
وهذا ثابت بالنسبة للإيرانيين عبر تصريحات قياداتهم السياسية والعسكرية.
الضربات قد تُضعف بُنى تحتية، وتُعطّل قدرات عسكرية، لكنها نادرا ما تُسقط منظومة حكم ترى في الصمود شرطا للبقاء.
منذ عقود، تبنّت إيران استراتيجية تقوم على تعويض اختلال ميزان القوى التقليدي عبر أدوات أقل كلفة وأكثر مرونة، صواريخ دقيقة بعيدة ومتوسطة المدى، طائرات مسيّرة منخفضة الكلفة، قدرات سيبرانية، وشبكة حلفاء إقليميين.
ضمن هذا الإطار يبرز ما يُعرف بمحور المقاومة، الذي يضم حزب الله في لبنان، وحركة حماس في غزة، وأنصار الله في اليمن.
في السردية الإسرائيلية والأمريكية، يُقدَّم هذا المحور كشبكة تمدّد هجومي يهدد الاستقرار الإقليمي، بينما يُنظر إليه في طهران كخط دفاع متقدم يُبعد المعركة عن الداخل الإيراني ويرفع كلفة أي مواجهة مباشرة.
المواجهة الحالية جعلت هذا المحور جزءا من ساحة اشتباك أوسع، حيث لم تعد الجبهات منفصلة بوضوح، وأي ضربة في لبنان أو اليمن أو العراق، قد تُقرأ كحلقة ضمن معركة مركزية لا كملف مستقل.
المنطقة اليوم انتقلت من حرب ظل إلى احتكاك مباشر، وكل طرف يبرّر تحركاته باعتبارها دفاعية، فيما يراها الآخر تصعيدا هجوميا.
تعزيز إيران لقدراتها الصاروخية، يُقرأ كتهديد وجودي لإسرائيل، والضربات الإسرائيلية تُقدَّم في طهران كعدوان يستوجب الرد، والتدخل الأمريكي يُفهم كضمانة ردع لدى حلفائه وكإعلان حرب لدى خصومه.
في بيئة مكتظة بالصواريخ الدقيقة والمسيّرات، يصبح هامش الخطأ ضيقا للغاية، وقد يتحول حادث محدود إلى مواجهة إقليمية واسعة خلال ساعات.
معادلة الردع التي كانت تقوم على الضبط المتبادل أصبحت أكثر هشاشة، لأن المسافة بين الرسالة العسكرية والحرب الشاملة تقلّصت إلى حد غير مسبوق.
السؤال الجوهري لم يعد ما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل قادرتين على إيلام إيران عسكريا، فالتفوق العسكري النوعي ليس موضع شك، بل ما إذا كان هذا الإيلام سيحقق هدفا سياسيا قابلا للاستدامة.
إيقاف البرنامج النووي كليّا يتطلب ترتيبات رقابية وسياسية لا يوفرها القصف وحده، وإسقاط النظام، إن حدث، لا يحمل ضمانة بأنّ البديل سيكون أكثر استقرارا أو أقل عداء، وإعادة رسم ميزان القوى الإقليمي بالقوة، قد تؤدي إلى توسيع ساحات المواجهة بدل تقليصها.
في المقابل، تراهن إيران على استراتيجية النفس الطويل، امتصاص الضربات، توزيع الردود على جبهات متعددة، تفادي الحرب الشاملة مع الحفاظ على صورة الصمود وعدم الانكسار.
الرهان هنا ليس على الحسم السريع، بل على استنزاف الإرادة السياسية للخصم، ورفع كلفة استمرار المواجهة إلى مستوى يصبح معه التصعيد عبئا داخليا عليه.
في المحصلة، يقف الشرق الأوسط أمام مرحلة يُعاد فيها اختبار حدود القوة وحدود الإرادة معا.
التفوق العسكري قادر على تغيير الوقائع الميدانية، لكنه لا يضمن وحده تغيير الحسابات السياسية، عندما تكون مشبعة باعتبارات الهوية والأمن القومي.
وبين وهم الحسم السريع وإغراء الردع المتبادل، تبقى الحقيقة الأكثر تعقيدا أن إدارة المخاطر قد تكون أكثر أهمية من تحقيق نصر تكتيكي.
في عالم تتشابك فيه الاستراتيجيات بالسرديات التاريخية، قد يكون تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة إنجازا بحد ذاته، لا علامة ضعف، بل تعبيرا عن إدراك عميق لكلفة الانفجار وحدود القدرة على التحكم بمآلاته.
الأيام القادمة كفيلة بالإجابة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك