في العديد من الدول نجد أنظمة حوكمة الشركات التي تم وضعها وفق آخر المعايير المهنية والقانونية حتى يتم تهيئة الضمانات الادارية المهنية والقانونية لتوفير مبادئ الحوكمة في صورتها المثالية.
ونظرًا لهذا الوضع المتميز بالحوكمة، يتوفر لدينا الشعور العام بالمسؤولية والاطمئنان لأن أنظمة الحوكمة الموجودة توفر المطلوب.
ولكن بالرغم من هذا الوضع الا أن هناك عدة أسئلة مهمة تدور في الأذهان مجملها، هل وجود نظم للحوكمة يكفي لوحده أم أن هناك متطلبات أخرى يشترط توفرها حتى تكتمل الصورة.
ومثل هذه الأسئلة المشروعة تطرأ كثيرًا في الأذهان خاصة عندما يتم الكشف، عن ممارسات يقوم بها من هم في قمة جهاز القيادة وتشكل ممارسات غير سليمة ومنافية للأخلاق المهنية وتضرب بعرض الحائط القيم الإنسانية، ولا تنسجم مع سياسات مبادئ الحوكمة.
إذا رجعنا لأضابير القضاء نجد أحكامًا كثيرة، ضد العديد من الشركات العملاقة والبنوك العالمية وكذلك ضد من هم علي قمة الإدارات التنفيذية والقيادية في هذه المواقع لاعمالهم المخالفة للحوكمة.
ومن الواضح أن الخلل في مثل هذه الحالات موجود في الإنسان وفي العقل الباطن المملوء بسوء الخلق وعدم النزاهة.
وإذا كان على القمة مثل هؤلاء فإن القوانين والأنظمة وكل ضوابط الدنيا لا تكفي ولا تقدم أو تأخر بل تكون “شماعة” الواجهة لا تعكس ما يحدث في الداخل.
وبالطبع، هذا لا يشمل الجميع وهناك الشرفاء الأمناء ومضرب المثل في الأخلاق.
إن الأنانية وعدم الأمانة المهنية، تسبب في فضيحة “شركة أنرون الأمريكية” حيث قامت شركة التدقيق بتمزيق المستندات الأصلية لأخفاء الأخطاء المحاسبية ووضع مستندات مفبركة لتغطية الجرم.
وهذا العمل غير الأخلاقي وغير المهني، عند اكتشافه، أقام الدنيا وكان رد الفعل المباشر البحث عن مخرج وعليه تم وضع مبادئ الحوكمة لعلها تعيد الأمور لنصابها الصحيح.
النجاح في إعداد الأنظمة الخاصة بمبادئ الحوكمة، أمر محمود ولكن علينا في نفس الوقت، إعداد وتهيئة النفوس البشرية وفق أعلى المتطلبات من المثل والأخلاق المتمسكة بالقيم العليا والتجرد.
وهذا في مقدور الانسان المستقيم، وحتى تقوم هذه النفوس ببرمجة مخها ثم مد يدها في الاتجاه الصحيح للوصول للمبتغى.
وإذا جهزنا قطار الحوكمة يجب كذلك تجهيز السائق الماهر الذي يقود هذا القطار ويصل به بسلام لنهاية رحلة الحوكمة، لأن القطار دون هذا السائق الملتزم لا يفي بالغرض بل يكون مجرد “صورة” جميلة على رصيف المحطة.
انطلاقًا من هذا المفهوم، ظهرت الحاجة الماسة لوضع ضوابط “حوكمة الأفراد”، وربما يكون من المعضلات أن التعامل مع النفس البشرية أمر صعب ومحفوف بكل المخاطر.
هذا لأن الإنسان الذي قام بحمل “الأمانة” التي أبتها السماوات والأرض والجبال، يحمل في دواخله عوالم صعبة المراس.
ولهذا من الصعوبة السيطرة عليه أو وضعه داخل إطار محكم يحد من أفكاره وتطلعاته، لأن طبيعة تركيبه تأبى هذا الإطار.
ولكن هذا هو الواقع، وهذا هو الانسان ويجب العمل على ترويضه قدر المستطاع ورفع قيمته الذاتية للدرجة التي تمكن من السيطرة على تصرفاته.
حوكمة الأفراد أصبحت من الأمور المهمة، التي يجب تداركها حتى لا نحرث في البحر، لأن الفرد هو من يتحسس حوكمة الشركات والمؤسسات العامة وهو من يطبقها وهو من يحدد في أي اتجاه يقودها، ولهذا لا بد من العمل على ضمان أنه يسير في الاتجاه الصحيح.
ومن مثل هذه المحاولات المطلوبة يتم تحقيق التوازن المنشود بين الأنظمة والنفس البشرية وذلك للدرجة التي تقود لانصهارهما في بوتقة واحدة ذات روح واحدة وتوجهات واحدة عالية القيمة.
إن حوكمة الأفراد هي المكمل لحوكمة الشركات، لأن الإنسان حجر الأساس ولا بد من تهيئته وبرمجته لتتم الفائدة وتتحقق الحوكمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك