ثمة مساحات من التاريخ من المُحال على العقل الواعي أن يفصل فيها بين الحقيقة والأسطورة.
فلا يمكن إنكارها بالكلية إذ لا بديل عنها يملأ فراغها كما لا يمكن تمريرها كحقائق يستسيغها العقل.
وعلى الرغم من سيادة الأسطورة بهذه المرويات والتي تجنح بنا بعيدا عن شطآن المنطق وسياجه الآمن، إلا أنني عن المستوى الشخصي أشعر بقدر كبير من الامتنان للوفاء التاريخي الذي يأبى فصلها وتحييدها فالأسطورة خير سبيل لمعرفة طريقة تفكير الأقدمين وقدرتهم على الابتكار في الطرح وتطويع الخيال واستخدام الميتافيزيقا في سبيل حشد الأتباع والفوز بالتفاف الناقلين.
إنها" سوشيال ميديا" الماضي إن شئنا أن نضعها في نصابها الصحيح والتي تعكس الوعي الجمعي في مراحل غابرة من التاريخ كاشفة عن حجم الخرافة السائدة وقدرة المتلقين على النقد والتحليل في المقابل.
صاحب مسجدنا اليوم يرتبط بأكثر قضية تعلقت بها حياة المصريين ولا زالت وهي فيضان النيل.
إنه الشريف أبي الشفقة (قيل أن اللقب الصحيح" أبو الشفق" ويخص أبيه) محمد بن الحسين بن حمزة بن عبد الله الأعرج بن الحسين الأصغر بن على زين العابدين بن الإمام الحسين بن الإمام على بن أبى طالب ـ كرم الله وجهه ـ، وحول قصة تسميته بأبي الشفقة وسر ارتباطه بفيضان النيل يقول: " أبو الحسن نور الدين علي بن أحمد بن عمر بن خلف بن محمود السخاوي الحنفي" فى كتابه" تحفة الأحباب وبغية الطلاب في الخطط والمزارات والتراجم والبقاع المباركات": " أنه لما كان فى بعض السنين توقف النيل فشق عليه وعلى أهل مصر فصار يسعى على شاطىء النيل ويبكى ويدعو ثم إنه سأل أهل العلم ومن له معرفة بالتاريخ عن الكتاب الذى أرسله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضى الله تبارك وتعالى عنه ـ مع حاطب بن أبى بلتعة بن أسد إلى المقوقس إلى أن دل عليه فأخذه وبيته إلى جانبه وهو فى أمر عظيم فرأى الإمام عمر فى المنام وهو يقول له يا أبا الشفقة قم وألق الكتاب فى النيل، فقام وألقى الكتاب فى الماء فكانت أخصب سنة على أهل مصر، فلما مات دُفن قريبا من البحر، فاشتهر عند أهل مصر بساعى البحر والله أعلم".
وحول قصة هذا الخطاب المنسوب للخليفة عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ الذي سعى له" أبو الشفقة" بكل هذا الجد والاهتمام.
يسرد الحافظ" عِمَادُ الدِّينِ أَبُو الفِدَاءِ إِسْمَاعِيْلُ بْنُ عُمَرَ بْنُ كَثِيرِ بْنُ ضَوِ بْنُ دِرْعِ القُرَشِيُّ الحَصْلِيُّ البُصْرَوِيُّ الشَّافِعِيٌُّ ثم الدِّمَشْقِيُّ" في كتابه" البداية والنهاية": " روينا من طريق ابن لهيعة، عن قيس بن الحجاج، عمن حدثه قال: لما افتُتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص - حين دخل بؤنة من أشهر العجم - فقالوا: أيها الأمير، لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها.
قال: وما ذاك؟ قالوا: إذا كانت اثنتي عشرة ليلة خلت من هذا الشهر، عمدنا إلى جارية بكر من أبويها، فأرضينا أبويها، وجعلنا عليها من الحُلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل.
فقال لهم عمرو: إن هذا مما لا يكون في الإسلام، إن الإسلام يهدم ما قبله.
قال: فأقاموا بؤنة وأبيب ومسرى والنيل لا يجري قليلا ولا كثيرا، حتى هموا بالجلاء، فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب بذلك، فكتب إليه: إنك قد أصبت بالذي فعلت، وإني قد بعثت إليك ببطاقة داخل كتابي، فألقها في النيل.
فلما قدم كتابه أخذ عمرو البطاقة فإذا فيها: من عبد الله أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر، أما بعد، فإن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يُجريك، فنسأل الله تعالى أن يجريك.
قال: فألقى البطاقة في النيل فأصبحوا يوم السبت، وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة، وقطع الله تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم".
وهكذا رواه ابن عبد الحكم في" فتوح مصر" واللالكائي في" شرح اعتقاد أهل السنة" وابن عساكر في" تاريخ دمشق" وأبو الشيخ في" العظمة".
بلا شك القصة تكتسي بعباءة أسطورية، ملامحها لا تخفى على حصيف، وتبدو أكثر مواطن ضعفها فيما يتعلق بمسألة تقديم قرابين بشرية على هيئة" عروس النيل" الشهيرة قبل الفتح الإسلامي لاستجداء الفيضان وتقديم فروض الطاعة والولاء لإله النيل العظيم" حعبي أو حابي الذي يحمل مظاهر الأنوثة والذكورة معا"، وهو طقس قاس لا إنساني ولا يوجد دليل فعلي عليه في أي عصر مضى بمصر ويعزو البعض تسلل هذه الخرافة بين كتابات المؤرخين الإسلاميين القدامى إلى المؤرخ الأغريقي بلوطرخس أو بلوتارخ وزعمه أن فترة إيجبتوس (لا وجود لاسمه في التاريخ الفرعوني) ملك مصر صادفت انحسار مياه النيل وما يتبع ذلك من جدب وقحط استدعى مشاورة الكهنة فأشاروا عليه أن خير سبيل هو تزويج النيل -إله الخير وشريان حياة المصريين - إتقاء لغضبه من إحدى الفتيات المصريات الجميلات عبر حملها على إلقاء نفسها في النيل وسط موكب فخم وحاشد، فوقع الاختيار على ابنته والتي لبت النداء طلبا للخلود في العالم الآخر مع" حابي"، غير أن الملك سرعان ما ندم على التضحية بابنته الأثيرة لقلبه، ولم يستطع العيش بعدها فألقى بنفسه في النيل هو الآخر.
إنكار الشق الخاص بعروس النيل لا يمنع من احتمالية صدق باقي القصة السابقة ولجوء" أبي الشفقة" لرسالة عمر بن الخطاب على سبيل التبرك وللتبرك بآثار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والصحابة والتابعين وأولياء الله في البيئة الإسلامية ميراث ضخم من الصعب تجاهله أو القفز على حقيقة وجوده وانتشاره.
توفي" أبو الشفقة" عام 262هــ في زمن أحمد بن طولون (مؤسس الدولة الطولونية) وقيل في عام 330 هجرية، في عهد محمد بن طُغج الإخشيد (مؤسس الدولة الإخشيدية والإخشيد لقب يعني ملك الملوك) ودُفن في ضريحه مع أخيه" جعفر"، وبني عليهما المسجد الصغير الذي نحن بصدده، والذي يقع بشارع ساعي البحر -نسبة إلى اسم المسجد ولقب صاحبه- أمام جزيرة الروضة مباشرة و كوبرى المانسترلى بمصر القديمة.
انتهت الحلقة ولكن بقى سؤالا: هل تسمية نهر النيل بالبحر من جانب بعض الأقدمين- كما ورد بقصتنا هذه- كانت من قبيل الخلط، والمعروف أن النهر مياهه عذبة والبحر تغمره الملوحة؟
نجد الإجابة بين جنبات كتاب" تُحْفة النُّظَّارِ في غرائبِ الأَمْصارِ وعجائبِ الأَسْفار" للرحالة الشهير" أَبُو عَبْدِ اللّٰهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ ٱللّٰهِ بْنِ مُحَمَّدٍ ٱللَّوَاتِيّ ٱلطَّنْجِيّ المعروف بابْنِ بَطُّوطَةَ"، حيث يقول: " ونيل مصر يفضل أنهار الأرض عذوبةَ مذاق واتساعَ قطرٍ وعظم منفعة، والمدن والقرى بضفتيه منتظمة ليس في المعمورة مثلها، ولا يعلم نهر يزدرع عليه ما يزدرع على النيل، وليس في الأرض نهر يسمى بحرًا غيره، قال الله تعالى: ﴿ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ مصر(القصص: 7)، وسماه يمًّا وهو البحر، وفي الحديث الصحيح: (أن رسول الله ﷺ وصل ليلة الإسراء إلى سدرة المنتهى، فإذا في أصلها أربعة أنهار: نهران ظاهران، ونهران باطنان، فسأل عنها جبريل عليه السلام فقال: أما الباطنان ففي الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات)، وفي الحديث أيضا: (أن النيل والفرات وسيحون وجيحون كل من أنهار الجنة)".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك