تهافت المحللون السياسيون حول تحليل الحرب الدائرة الآن بين (إيران) و(إسرائيل وأمريكا)، نعم تهافت البعض، والبعض الآخر ظل -كما هو على وضعه منذ سنوات طويلة- ينحصر دوره فى مُجرد طرح أسئلة فقط.
لهذا أرى أن هذا استعجال غير مُبرر، فما حدث -ومازال- ليس هيناً.
(المتهافتون) قالوا («إيران» ظلت تعادى إسرائيل منذ عام ١٩٧٩، ومنذ ذلك الوقت رفع الإيرانيون لافتات مكتوباً عليها «الموت لإسرائيل، الموت لأمريكا»)، لكنهم لم يقولوا الحقيقة كاملة، لم يقولوا إن هناك مؤامرات حدثت بين الطرفين، لم يذكروا شيئاً يُذكر حول الاتفاق الذى وقَّعه الرئيس الأمريكى الأسبق باراك أوباما مع الإيرانيين، لم يجرؤوا على الاعتراف بأن مخطط الفوضى الخلاقة الذى تبنته أمريكا ونفذته فى منطقة الشرق الأوسط كان لإيران دور كبير فى تنفيذه وإنجاحه، لم يذكروا أن الميليشيات التى انتشرت فى عدد من الدول العربية وآوتها ودربتها ومَوَّلتها وسلحتها إيران ساهمت فى إفشال عدد من الدول العربية، لم يذكروا أن قاسم سليمانى، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثورى الإيرانى، تم اغتياله فى ٣ يناير ٢٠٢٠ بقصف أمريكى تم على الأراضى العراقية، قال نصاً (نحن نُسيطر على خمس عواصم عربية).
أما المحللون الذين تسرَّعوا وسألوا أسئلة ولم يحاولوا حتى الإجابة عنها، بل سألوا أسئلة عميقة جداً وتركوا لنا الإجابة وذهبوا إلى الندوات والمؤتمرات وقاعات فنادق الخمس نجوم لكى يطرحوا الأسئلة فقط وتركونا فى حيرة ولا نعرف من سيجيب عن هذه الأسئلة؟ ، فهذا هو العبث بعينه، وحديثهم يدُل على أنهم مُنعزلون عن الأحداث ولم يُتابعوها جيداً وليس لديهم معلومة واحدة عما يدور.
الاستعجال فى التحليل وطرح الأسئلة ليس فى محله، فالمعركة ما زالت دائرة الآن، والخطط ما زالت تُنفذ، وأصوات الصواريخ تُدوِّى فى طهران وتل أبيب وعدد من العواصم العربية، ومضيق هرمز تم غلقه، وهناك تأثيرات سلبية -سياسية واقتصادية- على المجتمع الدولى بأكمله.
وهناك دول كبيرة أظهرت مواقفها علانية بأنها تؤيد أمريكا وإسرائيل وعلى استعداد للمشاركة فى التصدى لإيران.
وفى المقابل هناك دول كبيرة أخرى مثل إسبانيا رفضت السماح لأمريكا باستخدام قواعدها العسكرية فى ضرب إيران، والرئيس الأمريكى ترامب رد بقطع العلاقات التجارية معها.
وهناك دول كبيرة -روسيا والصين- رفضت الاعتداء على إيران لكنها لم تفعل شيئاً لمساندتها رغم أنها دول مُتحالفة معها، وأقصى ما فعلته التنديد بالاعتداءات فى بيان رسمى صادر من وزارة الخارجية أو فى كلمة من المندوب الدائم فى الأمم المتحدة.
الاستعجال غير منطقى، فالحرب مستمرة وتتوسَّع رغم تحذيرات العقلاء بضرورة التصدى لتوسيع دائرة الصراع، والنتائج لم تُحدَّد بالقدر الكافى، والشواهد الأولية تقول (انتهى الأسطول البحرى الإيرانى- السماء الإيرانية تحت سيطرة الأمريكان- استُهدِفت قيادات الصف الأول والثانى فى الجيش الإيرانى والحرس الثورى والقيادات بمن فيهم المرشد خامنئى وعائلته وكبار مستشاريه).
فى المقابل هناك شواهد أولية -أيضاً- تقول (الصواريخ الباليستية الإيرانية ما زالت تصل إلى تل أبيب، وصافرات الإنذار ما زالت تنطلق فى المدن الإسرائيلية- تظاهرات فى الميادين الإيرانية مُناصرة للنظام- هناك خسائر للجيش الأمريكى تم الإعلان عنها رسمياً- احتياطى المقذوفات الأمريكية يقل- تنامى المعارضة فى الشارع الأمريكى لقرار ترامب بخوض حرب ضد إيران).
التحليل الآن غير منطقى، طرح أسئلة مثل (متى ستتوقف الحرب؟ - مَن المنتصر؟ - من يدفع فاتورة الحرب؟ - من يتولى السلطة فى إيران؟ - هل ستبدأ العملية البرية فى إيران؟ ) فهذا ليس وقتها.
لا أحجر على أحد، لا أطالب المحللين بالصمت، بل أُطالبهم بالتريث لوقت كافٍ لكى تظهر الصورة كاملة، حتى لا يكون تحليلهم مُجرد ضجيج بلا طحين.
لكن من يبدأ حديثه بأن (عملية هندسة الشرق الأوسط تتم الآن بالحديد والنار) فهو مُحِق، وهذا هو من يتحدث فى «لُب الموضوع» وأصاب بحديثه هذا «كبد الحقيقة».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك