يحتفل العالم هذا الأسبوع، وبالتحديد فى الثامن من مارس، بيوم المرأة، وفيه ترتفع الشعارات التى تتغنّى بتمكين المرأة وإنصافها، مؤتمرات تُعقد، وندوات تُنظم، ونماذج نسائية ناجحة تكرّم على المنصات، ولكن خلف الأضواء والكلمات الرنانة، يظل سؤال جوهرى يفرض نفسه: هل يتحول هذا اليوم إلى قوة تغيير حقيقية، أم يبقى مناسبة موسمية تتجدّد فيها الوعود وتغيب بعدها الأفعال؟ المرأة لا تحتاج إلى تصفيق عابر، بل إلى سياسات عادلة، وتشريعات منصفة، وأنظمة صحية وتعليمية تحترم إنسانيتها وتضع احتياجاتها فى صدارة الأولويات، فالإنصاف لا يُقاس بعدد الفعاليات، بل بمدى ما يتحقّق على الأرض من فُرص متكافئة وحماية فعلية من التمييز والاستغلال.
وفى قلب هذا النقاش، يبرز ملف صحة المرأة كأحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، خاصة مع الجدل المتجدّد حول فحوصات تصوير الثدى بالأشعة المعروفة باسم «الماموغرافيا».
فعلى مدى عقود، قدّمت هذه الفحوصات بوصفها درعاً وقائية أساسية للكشف المبكر عن سرطان الثدى، وللحق يُقال ساهمت بالفعل فى خفض معدلات الوفيات، لا سيما بين النساء فوق سن الخمسين.
غير أن السنوات الأخيرة شهدت نقاشاً علمياً متزايداً حول حدود فاعليتها، وما قد يرتبط بها من آثار جانبية أو تبعات نفسية.
وتشير دراسات علمية منشورة فى مجلات طبية مرموقة، من بينها مجلة JAMA، إلى أن فحوصات الماموغرافيا أسهمت فى خفض معدلات الوفاة بسرطان الثدى بنسب ملحوظة تفوق 19%، خصوصاً بين النساء فوق سن الخمسين، غير أن هذه الدراسات لفتت أيضاً إلى بعض التحديات المرتبطة بالفحص، مثل النتائج الإيجابية الكاذبة والتشخيص المفرط لبعض الأورام البطيئة النمو، وهو ما يدفع بعض الباحثين إلى الدعوة لموازنة دقيقة بين فوائد الفحص، ومخاطره المحتملة، وتحديد الفئات العمرية الأكثر استفادة منه.
إحدى أبرز نقاط الجدل أيضاً تتعلق بما يُعرف بـ«النتائج الإيجابية الكاذبة»، حين يُظهر الفحص اشتباهاً بوجود ورم سرطانى، بينما لا يكون هناك سرطان فعلياً.
فى هذه الحالات، تجد المرأة نفسها أمام دوامة من القلق والفحوصات الإضافية بما تحمله من ضغط نفسى وتوتر عائلى.
وعلى الجانب الآخر، قد تحدث «نتائج سلبية كاذبة»، حيث يبدو الفحص طبيعياً رغم وجود ورم، وهو أمر أكثر احتمالاً لدى النساء ذوات الأنسجة عالية الكثافة فى الثدى، مما قد يُفسد التشخيص.
الأكثر إثارة للنقاش هو مفهوم «التشخيص المفرط»، أى اكتشاف أورام بطيئة النمو أو غير عدوانية، ربما لم تكن لتُشكل خطراً حقيقياً على حياة المرأة لو لم تكتشف عبر الفحص الدورى.
هنا يبرز التساؤل الأخلاقى: هل يتحول الاكتشاف المبكر فى بعض الحالات إلى باب لعلاجات مكثفة جراحية.
كيميائية أو إشعاعية لم تكن ضرورية؟وهل أصبح الخوف المشروع لدى المرأة على صحتها، ورعبها من السرطان، وسيلة تستغلها بعض المؤسسات الطبية لتحقيق أرباح ضخمة، على حساب الرسالة الحقيقية للطب فى الدواء والشفاء، وتحويل مبدأ العلاج إلى وسيلة لتحقيق المليارات؟وقد أثيرت هذه الأسئلة بقوة بعد تقارير تحدّثت عن مراجعات أجرتها جهات علمية لبرامج الفحص الروتينى، وسط دعوات لإعادة تقييم التوازن بين الفائدة والضرر.
غير أن الحديث عن «حظر شامل» لا يعكس الصورة بدقة، فالفحوصات لا تزال متاحة، لكن النقاش العلمى مستمر بشأن الفئات العمرية الأنسب وتكرار الفحص الأمثل.
من الناحية التقنية، تعتمد الماموغرافيا على جرعات منخفضة من الأشعة السينية مع ضغط الثدى للحصول على صورة دقيقة، ورغم أن الجرعات محدودة، فإن بعض الباحثين يشيرون إلى ضرورة توخّى الحذر فى تكرار الفحص، خصوصاً لدى الفئات الأصغر سناً أو من لديهن عوامل خطورة خاصة، كما أن الألم المصاحب للفحص، وإن كان مؤقتاً فى الغالب، يظل تجربة غير مريحة لكثير من النساء.
فى المقابل، تطورت وسائل تشخيصية مساندة، مثل الرنين المغناطيسى، والموجات فوق الصوتية والتصوير ثلاثى الأبعاد، إضافة إلى تقنيات تعتمد على الذكاء الاصطناعى لتحسين دقة القراءة، وغالباً ما يُنصح بالاستفادة من هذه الأدوات بشكل تكاملى، وفق تقييم طبى فردى يأخذ فى الاعتبار العمر والتاريخ العائلى وكثافة الأنسجة وعوامل الخطر الأخرى.
وإذا كان الاحتفال بالمرأة فى يومها العالمى يحمل معنى حقيقياً، فإن هذا المعنى يبدأ من تمكينها بالمعلومة الدقيقة، ومنحها الحق فى قرار طبى مستنير، وحمايتها من الاستغلال أو التضليل.
عندها فقط يصبح الثامن من مارس أكثر من مناسبة رمزية.
ويغدو خطوة فعلية فى طريق إنصاف طال انتظاره.
فى النهاية، يبقى جوهر هذا المقال مرتبطاً بحق المرأة فى المعرفة والاختيار، وفى أن تكون صحتها أولوية حقيقية، لا شعاراً موسمياً أو استغلالاً طبياً، وإذا كان يوم المرأة العالمى مناسبة للتذكير بهذه الحقوق، فإنه أيضاً فرصة لتوجيه كلمة صادقة لكل امرأة فى كل مكان.
كل عام وأنتِ طيبة، وبصحة جيدة، وفى راحة وطمأنينة، وفى حفظ ورعاية من الله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك