فى الدراما الحقيقية لا تكفى الحكاية وحدها، فالقصة قد تكون قوية، والنص قد يكون مكتوباً بحرفية، لكن العمل لا يتحول إلى تجربة إنسانية كاملة إلا حين يجد الممثل القادر على تحويل الكلمات إلى حياة، وهذا ما حدث فى مسلسل «صحاب الأرض»، حين ظهرت الفنانة منة شلبى فى واحد من أكثر أدوارها عمقاً ونضجاً، فلم يكن حضور منة شلبى فى المسلسل مجرد مشاركة لنجمة كبيرة فى عمل درامى مهم، بل كان عنصراً أساسياً فى تشكيل روحه الإنسانية، فهى من الممثلات القلائل القادرات على تحويل الشخصية من مجرد دور مكتوب إلى كائن حى، له ملامح وتاريخ ووجع، وهنا تحديداً تبدأ قيمة الأداء الذى يبحث عن اللحظة الإنسانية التى تبدو بسيطة، لكنها تحمل معنى عميقاً، فالشخصية هنا تبدو كأنها تعيش بيننا.
الشخصية التى تقدمها ليست مجرد امرأة داخل الأحداث، بل نموذج إنسانى يعكس الصراع بين الألم والأمل، بين الذاكرة والواقع، وبين الخوف والإصرار على البقاء وهنا عكس أداء منة الصدمة والألم من خلال حركتها الممزوجة بالدهشة والخوف والرعب من خلال ملامحها ولغة عيونها الحائرة والوجه الشاحب نقلت منه الواقع وقدمته من خلال صدق المشاعر ومن حضورها الصادق وصلت هذه المشاعر للجمهور، فالمشاهد لا يشعر بأنه يشاهد ممثلة تؤدى دوراً، بل إنسانٌ يعيش تجربة حقيقية، وهذا النوع من الأداء يحتاج إلى درجة عالية من الصدق الداخلى، لأن الكاميرا اليوم أصبحت أكثر قدرة على كشف أى افتعال ولهذا اعتمدت منة شلبى غالباً على التعبير الهادئ، وعلى لغة الوجه والعينين أكثر من اعتمادها على الحوار، فاعتمدت منة شلبى البساطة، حيث ظهرت بملامح طبيعية دون مكياج أو تكلف، ما جعل المشاهد يشعر بأنها تعيش المأساة وسط الركام.
ففى كثير من المشاهد، يمكن قراءة المشاعر من نظرة العين ولغة الجسد التى يراها المشاهد وتصل إليه قبل الجمل الحوارية، حتى لغة الصمت والدهشة وصلت للمشاهد ونقلت الإحساس له ولا أنكر أن الكتابة أيضاً كانت معبرة فى «صحاب الأرض»، فكانت هناك لحظات كثيرة تعتمد فيها الشخصية على الصمت أكثر من الحوار ولحظات يتوقف فيها الكلام، لكن المشهد يستمر عبر التعبير الداخلى للشخصية من خلال نظرة طويلة أو دوران الكاميرا على الأطلال والركام ليصل للمشاهد حجم الدمار ووضعه داخل الصورة وليس مشاهداً لها، وهذه اللحظات هى التى تمنح الشخصيات جميعاً عمقها النفسى وفى هذا العمل يبدو واضحاً أن منة شلبى قامت ببناء الشخصية من الداخل وتأثرت بها كإنسانة قبل أن تكون ممثلة، وهذا ما جعل «سلمى» تبدو شخصية حقيقية وليست مجرد عنصر درامى.
فالشخصية تبدو أحياناً قوية، قادرة على المواجهة، لكن فى لحظات أخرى يظهر جانبها الإنسانى الضعيف وهذا التوازن هو ما يمنح الأداء صدقه، لأن الإنسان الحقيقى ليس بطلاً دائماً، ولا ضحية دائماً، بل مزيج من مجموعة من المتناقضات حسب الظروف والمواقف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك