أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن موسكو لا تزال مستعدة لتسلم اليورانيوم المخصب بدرجة عالية من إيران لتخزينه، وقال في معرض تعليقه على الصراع في الشرق الأوسط" مقترحاتنا ما زالت مطروحة"، واعتبرها مقترحاً جيداً، وأوضح" إذا وافق الجميع، فبإمكان إيران أن تطمئن تماماً إلى أنها نقلت هذه المواد إلى دولة صديقة تتعاون معها وستواصل التعاون معها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية".
وأعرب بوتين عن ثقته بأن إيران لا تسعى إلى برامج نووية أخرى، بما في ذلك صنع الأسلحة النووية، وأشار إلى استعداد بلاده للمساهمة في حل قضية احتياطات إيران من اليورانيوم المخصب، من دون أن يقدم اقتراحاً محدداً في شأن مصير هذه المواد الخطرة التي ما زالت موضع خلاف بين واشنطن وطهران.
وصف ممثل روسيا الدائم لدى المنظمات الدولية في فيينا، ميخائيل أوليانوف، النقاشات الدائرة في شأن احتمال نقل اليورانيوم المخصب من إيران بأنها تكهنات سابقة لأوانها، موضحاً أن نقل اليورانيوم المخصب إلى خارج إيران ليس شرطاً ضرورياً، مؤكداً أن تنفيذ أي خطوة من هذا القبيل يتطلب موافقة طهران.
وأضاف أن هناك خياراً آخر يتمثل في خفض مستوى تخصيب اليورانيوم داخل إيران نفسها إذا توصل الطرفان إلى اتفاق في شأن ذلك، مؤكداً أن الحديث عن هذه المسألة في الوقت الراهن لا يزال مبكراً.
وجاءت تصريحات أوليانوف تعليقاً على تصريحات المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، الذي قال في مقابلة صحافية إن نقل مخزونات اليورانيوم المخصب من إيران مهمة" معقدة لكنها ليست مستحيلة".
لكن الرئيس الأميركي دونالد أعرب من جانبه عن رفضه فكرة تسليم مخزون إيران من اليورانيوم المخصب إلى روسيا أو الصين.
يعد مصير 440 كيلوغراماً من اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة 60 في المئة من أكثر القضايا تعقيداً في تبادل الرسائل والمحادثات غير الرسمية بين واشنطن وطهران في شأن اتفاق لإنهاء الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران.
وحين عرض الرئيس الروسي على نظيره الأميركي الاضطلاع بدور الوساطة لإنهاء هذه الحرب، استند بالدرجة الأولى إلى مؤهلات بلاده وخبراتها العلمية والعملية في حل القضية المتعلقة باليورانيوم الإيراني العالي التخصيب، لكن ترمب تجاهل هذا العرض ولم يقبل به ولم يناقشه.
وهذا ما استدعى بحث بوتين هذا العرض مع الرئيس الصيني شي جينبينغ أثناء زيارته لبكين الشهر الماضي، وعلى أثر ذلك أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن دور بلاده في حل عقدة اليورانيوم الإيراني العالي التخصيب يمكن أن يتخذ أشكالاً مختلفة.
وقال" إن روسيا، كما فعلت عندما تم الاتفاق على البرنامج عام 2015، مستعدة للقيام بدورها في حل قضية اليورانيوم المخصب، ويمكن أن يتخذ هذا الدور أشكالاً متنوعة، بما في ذلك إعادة معالجة اليورانيوم العالي التخصيب المستخدم كوقود، أو نقل كمية معينة إلى روسيا لتخزينها، أي شيء مقبول لإيران من دون انتهاك حقها غير القابل للتصرف في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية".
وأشار لافروف إلى أن روسيا، على مدى التاريخ الحديث، كانت جزءاً من العملية التي أفضت في نهاية المطاف إلى اتفاق في شأن الضمانات وتسوية البرنامج النووي الإيراني.
واعتبر الوزير الروسي" أن قيام الولايات المتحدة بتدمير هذا الاتفاق، الذي كثيراً ما رغبت إسرائيل بتخريبه، هو حقيقة مؤسفة في تاريخ العالم الحديث، والأمل الوحيد الآن هو إمكان إعادة بناء شيء مماثل من الأنقاض التي خلفه ذلك الاتفاق الدبلوماسي المتعدد الأطراف المهم للغاية".
يؤكد مسؤولون روس أن إيران منفتحة على مناقشة نقل اليورانيوم المخصب إلى موسكو، إلا أن ذلك لن يتم إلا بعد إحراز تقدم ملموس بين طهران وواشنطن في شأن وقف الحرب.
ويقولون إن السلطات الإيرانية تعتزم طرح قضية اليورانيوم المخصب مع موسكو، ولكن بعدما تبدأ طهران وواشنطن في حلها، وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي" بمجرد أن نصل إلى تلك المرحلة سنجري مزيداً من المشاورات مع روسيا".
وأوضح عراقجي أنه خلال الاتصالات الأخيرة مع واشنطن، وصلت قضية مخزونات اليورانيوم المخصب إلى طريق مسدود بين الطرفين بسبب خلافات جوهرية، وبالاتفاق مع الجانب الأميركي تم تأجيل هذه القضية إلى مراحل لاحقة من المفاوضات، نظراً إلى تعقيدها الشديد في الوقت الراهن.
أدت روسيا أعواماً عدة دوراً محورياً في إزالة اليورانيوم العالي التخصيب والوقود النووي المستهلك من دول أخرى، ويعتبر هذا الجهد جزءاً أساساً من برامج منع الانتشار النووي الدولية، وقد نجحت في إزالة مواد نووية من أكثر من 14 دولة، وغالباً ما نفذت هذه العمليات في سرية تامة نظراً إلى خطر الإرهاب النووي.
في عامي 2002 و2004، وفي إطار مهام طارئة، أزال متخصصون روس مئات الكيلوغرامات من المواد النووية من بلغراد (معهد فينكا) وطرابلس الغرب (بعد تخلي معمر القذافي عن برامجه النووية).
كذلك استعادت روسيا بنجاح كميات كبيرة من الوقود النووي من المجر وجمهورية التشيك وبولندا ورومانيا وبلغاريا وفيتنام وكوريا الشمالية، وعام 2015 أزالت روسيا اليورانيوم المخصب من إيران، في خطوة حاسمة لتنفيذ الاتفاق التاريخي في شأن البرنامج النووي الإيراني.
ونتيجة لذلك لم يتبق في إيران سوى 300 كيلوغرام من اليورانيوم، وهو الحد المسموح به بموجب المعاهدة الدولية، أما الفائض بالكامل فقد أرسل إلى روسيا، وجرت أكبر عملية في الـ28 من ديسمبر (كانون الأول) 2015، في إطار خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي الإيراني).
حين قام متخصصون روس بنقل أكثر من 11 طناً من اليورانيوم المنخفض التخصيب من إيران بحراً، وفي المقابل تلقت إيران شحنة من اليورانيوم الطبيعي (المادة الخام)، تم توفيرها جزئياً بمساعدة من كازاخستان.
لم تقتصر جهود روسيا على إزالة اليورانيوم وحسب، بل نفذت في الفترة بين عامي 2013 و2014 عملية لإزالة وتدمير الأسلحة الكيماوية السورية، وقد وصفها المتخصصون بأنها من أكثر العمليات تعقيداً وخطورة وغير مسبوقة في التاريخ، إذ نفذتها روسيا وسط حرب أهلية شاملة.
ووفقاً لاتفاقات منظمة حظر الأسلحة الكيماوية، يستغرق تدمير مثل هذه الترسانات عقوداً في زمن السلم، بينما في سوريا أزيل ما يقارب 1300 طن من المواد السامة وسلائفها بما في ذلك غاز السارين وغاز VX وغاز الخردل ودمرت في عام واحد فقط.
أكدت مؤسسة" روساتوم" الحكومية الروسية جاهزيتها الفنية والتنظيمية الكاملة لتنفيذ عملية إزالة اليورانيوم المخصب من إيران، مشددة على أن الجانب الروسي مستعد تماماً لذلك.
وصرح المدير العام لـ" روساتوم"، أليكسي ليخاتشيف، قائلاً" لا يزال عرضنا مطروحاً، وقد أكده رئيس روسيا الاتحادية مراراً، ليس لدينا أي مانع من الحصول على موافقة الجانب الإيراني على تسلم اليورانيوم، وخفض نسبة تخصيبه، ودفع مستحقات الحلفاء الإيرانيين باليورانيوم الطبيعي، أو نقداً، أو بأي مقابل آخر"، كذلك لمح إلى إمكان إبرام" صفقة ثلاثية" مع دولة أخرى مهتمة.
يشير المتخصصون الروس إلى أن الوضع المحيط بإزالة اليورانيوم العالي التخصيب من إيران كان ولا يزال عقدة العقد في طريق الوصول إلى حل ينهي الحرب ضد إيران نهائياً، ويعتبرون أن التهديد بتجدد الأعمال العدائية سيبقى قائماً، ما بقيت المواقف السياسية للطرفين في شأن الملف النووي الإيراني من دون تغيير، ولا تزال المفاوضات عالقة في الخلافات الجوهرية نفسها.
يقول المتخصص في الشأن العسكري يوري ليامين" للوهلة الأولى تتلخص المهمة في الجوانب اللوجيستية: إزالة المواد الخطرة من الأراضي الإيرانية، ومع ذلك فإن المشكلة الرئيسة لا تكمن في الجانب التقني، بل في المجال السياسي، وترتبط بالمطالب المتعارضة تماماً بين واشنطن وطهران".
وتكمن العقبة الرئيسة في الإطار الزمني لتعليق إيران تخصيب اليورانيوم، " تصر الولايات المتحدة على فترة طويلة للغاية، تصل إلى 20 عاماً، أما إيران، من جانبها، فقد أبدت استعدادها لمناقشة فترة أقصر بكثير، تراوح ما بين خمسة وسبعة أعوام، ولم يتغير هذا الموقف".
ومن يذكر أن برنامج التخصيب الإيراني النشط معلق حالياً ليس لأسباب سياسية، بل لأسباب فنية، فقد تضررت منشأتان رئيستان - نطنز وفوردو - بشدة خلال القتال الذي دار في يونيو (حزيران) 2025، ولم ترمم منذ ذلك الحين، ويبدو أن طهران لم ترَ جدوى من الاستثمار في ترميم بنية تحتية قد تصبح هدفاً للضربات مجدداً"، كما يوضح المتخصصون.
ومن القضايا الملحة الأخرى مصير الاحتياطات المتراكمة من اليورانيوم المخصب بنسبة تراوح ما بين 20 و60 في المئة، وأشار ليامين إلى أنه تم في البداية مناقشة فكرة تصدير جزء من هذه المادة إلى روسيا، وقال" كان يفترض أن يحفظ جزء من اليورانيوم في مكان آمن، مع ضمان إعادته في حال إخلال الولايات المتحدة بالتزاماتها، وأن تخفف البقية (يخفض مستوى تخصيبها) إلى مستويات منخفضة مناسبة لوقود محطات الطاقة النووية، إلا أن واشنطن اتخذت موقفاً متشدداً، إذ تطالب بنقل جميع اليورانيوم المخصب حصرياً إلى الأراضي الأميركية، وهذا أمر مرفوض تماماً بالنسبة إلى إيران".
لذا يبقى احتمال التوصل إلى اتفاق ضئيلاً للغاية إلى أن تبدي الولايات المتحدة استعداداً أكبر للمرونة، وأضاف المتخصص في الشأن العسكري يوري ليامين" إذا استمرت واشنطن في الإصرار على تعليق تخصيب اليورانيوم لمدة 20 عاماً وتصدير العالي التخصيب منه بالكامل إلى أميركا، فستصطدم المفاوضات بالجدار نفسه الذي اصطدمت به في فبراير (شباط) الماضي، قد توافق إيران نظرياً على تعليق التخصيب لمدة تصل إلى 10 أعوام، ولكن ليس أكثر".
ومن دون تنازل من الولايات المتحدة سيتأرجح الوضع على حافة الانهيار، في الواقع لا يمكن حتى وصف الوضع الحالي بوقف إطلاق نار كامل: فالحصار المستمر بحد ذاته عمل حربي، والاشتباكات المسلحة الدورية في البحر البر لا تؤكد إلا عدم الاستقرار الشديد".
وانطلاقاً من ذلك يعتبر المتخصص أن دور روسيا في حلحلة الأمور المعقدة في هذا المجال هو دور ضروري ومطلوب لمصلحة السلم ووقف الحرب، وتجاهل الولايات المتحدة عرض الوساطة الروسي لم يساعدها على التقدم في إيجاد حل للأزمة القائمة، وإذا ما استمرت واشطن على عنادها في رفض الدور الروسي فإن مراوحتها في المستنقع الإيراني ستستمر طويلاً.
يقول رئيس تحرير المجلة التحليلية" جيوإنيرغيتيكا إنفو" بوريس مارتسينكيفيتش إنه" من الناحية الفنية سيعتمد هذا على الاتفاق المحدد مع إيران، ولتجنب أي توترات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية سيكون من الضروري تخفيض نسبة اليورانيوم واستخدامه، على سبيل المثال، كوقود لمفاعل نووي"، ويوضح" تستخدم وحدات التعبئة والتغليف لنقل الوقود النووي أو الوقود المستهلك، يجب أن تتوافق أي شحنة من اليورانيوم بهذا المستوى من التخصيب مع أشد لوائح الوكالة الدولية للطاقة الذرية صرامة في ما يتعلق بالنقل الآمن للمواد المشعة.
تشمل هذه المتطلبات جميع وسائل النقل وجميع مراحله، بدءاً من تصميم التعبئة والتغليف وحتى تسلم الشحنة، يجب أن تتحمل حاويات اليورانيوم الحوادث الخطرة وأن تمنع تسرب الإشعاع والتفاعلات المتسلسلة، كذلك تشترط تدابير أمنية نووية غير مسبوقة لمنع التخريب أو سرقة المواد طوال رحلة النقل"، ويضيف قائلاً" إن نظام TUK عبارة عن هيكل هندسي بالغ التعقيد يخدم غرضين: احتواء الإشعاع وضمان الحماية الموثوقة من أي مؤثرات خارجية، بما في ذلك محاولات السطو، وما إلى ذلك، وتتوفر خيارات النقل الجوي، وقد جرت آخر عملية إجلاء طارئة عام 2009 من ليبيا، وقد أثبتت الآلية فاعليتها، كذلك تقوم روسيا بتزويد محطة بوشهر للطاقة النووية بالوقود الجديد، وتستعيد الوقود المشع".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك