في قصيدته الخالدة" المساء" كتب الشاعر اللبناني الكبير إيليا أبوماضي، أبياتا سحرية، معبرة، آخذة إلي التفكير والتفكر، وصف لنا الظلام، بأنه قادرا علي أن يخفي أي شيء، القبح والجمال، يخفي الكذب، كما يخفي الحقيقة.
سأل حبيبته عما تفكر: (أم بالمسا.
؟ إنّ المسا يخفي المدائن كالقرى.
والكوخ كالقصر المكين.
والشّوك مثل الياسمين).
وزاد في وصفه لليل قائلا (لا فرق عند اللّيل بين النهر والمستنقع.
يخفي ابتسامات الطروب كأدمع المتوجّع.
إنّ الجمال يغيب مثل القبح تحت البّرقع.
).
أكره الظلام لأنه الجهل، إنعدام الرؤيا، إخفاء الحقيقة، هو أن تسلم عقلك لتلك العصابة السوداء الموضوعة فوق عينيك، والحقيقة إننا عشنا سنوات في ذلك الظلام، لا نعرف –كشعب وجمهور- حقيقة ما يجري في أروقة السياسة بين رجال الجماعة، لا نعرف ما يدبر لنا، لم نظن أن أرواحنا بذلك الهوان، ودماؤنا بهذا الرخص، لم نكن نعرف أي قدر من البشاعة في ذلك الوجه المشوه لجماعة اختفت لعقود خلف برقع الظلام.
الظلام الذي جعلنا لا ندري أنهر هي أم مستنقع، أيحولون الوطن إلي كوخ، أم إلي قصر مكين، لا ندري إن كانت تلك الأيدي الآثمة تحمل لنا الشوك أم الياسمين، قرنفلة أم قنبلة.
كانت مصر تبدو كعجوز بعروق نافرة، شكل الزمان فوق وجهها علامات القهر والحزن والشقاء، تبكي في صمت، تبكي من مات وقيد في شهادة وفاة، وأحتسبناه عند ربنا شهيدا، ومن مات وهو لازال يتنفس وعلي قيد الحياة، وقد فقد الأمل والشغف.
مرارة تجربة الإخوان وظلامها، يجعلنا نصفق للنور ونهلل له، والنور هو أن تكتشف الحقائق، ليبدو القبيح قبيحا والخائن خائنا، ففي النور لا مواربة ولا كذب ولا زيف، ولهذه الأسباب تحمست للتجربة، تجربة إنتاج مسلسل" رأس الأفعي" الذي كتبه هاني سرحان وأخرجه محمد بكير وأنتجه تامر مرسي والشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، ولعب بطولته أمير كرارة وشريف منير ونخبة من نجوم الفن المصري.
المؤكد أن المسلسل لم يرض عنه فصيل جريح، فقد السلطة بعد عام أسود، وذهب إلي غير رجعة، وكيف يرضون وهو المسلسل الكاشف الفاضح الذي سلط الضوء علي خططهم القذرة، وأعمالهم التخريبية، لذا أعتبر أن ميزانية هذا المسلسل أيا كانت، سواء كانت كبيرة وضخمة، فهي بمثابة" فاتورة النور"، فاتورة" الحقيقة"، فاتورة تمزيق العصابة السوداء من فوق العيون، كمسلسلات وأعمال سابقة أنتجتها الشركة، وأنتجها المنتج تامر مرسي.
إنتاج مسلسل" رأس الأفعي" ليس بدعة قام بها المنتج أو الشركة المتحدة، فمنذ ما يزيد علي الخمسة وعشرون عاما، كنت محررا صحفيا في مقتبل العمر، أذهب لمبني ماسبيرو لأتحري أخباره، وصادفتني إدارة التسويق وعلمت منها أن مصر تصدر الدراما لدول أفريقيا بأسعار زهيدة تكاد لا تذكر، وعندما تساءلت عن السبب، قيل لي بالحرف الواحد" ليس كل المكسب نقودا"، فالدراما غير هادفة للربح، المكسب أن تصدر لهجتك، وفكرك، وثقافتك، وليس هناك أفضل من الفن لتوصيل هذه الرسالة.
والحقيقة أن ما قدمه مسلسل" رأس الأفعي"، رسالة مضمونها" كل هذا القبح" من جهة الجماعة وأنصارها، و" كل هذا الجهد والعمل" من جهة الأجهزة الأمنية المصرية التي عاشت سنوات عديدة في العمل الشاق في ظروف لا تحتمل أو تطاق.
بدى أن أميرة كراراة تمرس في لعب شخصية الضابط، كان واثقا هادئا لأبعد الحدود، لم تهرب منه الشخصية في مشهد واحد، بينما كان مفاجأة العمل هو الفنان الكبير شريف منير، الذي يثبت أنه كلما زاد عمره، زادت موهبته، لعب شريف دور" محمود عزت" وهو من الأدوار الصعبة التي قد يواجهها أي ممثل، لأن الشخصية الحقيقية، وجه ميت، خال من التعبير، كلاعب بوكر محترف، لذا كانت الانفعالات محسوبة، والحركة وطريقة الكلام.
نجح المسلسل، وألقى الضوء علي مرحلة مهمة، كان يسودها الظلام، وهذا هو النجاح الفعلي، لأنه أصبح وثيقة درامية، وخنجر مسموما ضربته الشركة المنتجة في" رأس الأفعي".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك