«من ألزم نفسه آداب السنة عمّر الله قلبه بنور المعرفة ولا مقام أشرف من متابعة الحبيب صلى الله عليه وسلم، في أوامره وأفعاله وأخلاقه»، تلك الكلمات المتوهجة بالأنوار هي للورع التقي ابن العطاء البغدادي المتوفي في سنة «309 ه/921م» أحد كبار أعلام الصوفية في القرن الرابع الهجري في بغداد.
عُرف بكونه زاهداً عابداً، ومحدثاً، وشيخاً في فهم القرآن الكريم وتفسيره، وهذه الكلمات تشير إلى أن طريق الصلاح والاستقامة واضح فما على السالك الزاهد إلا أن يلتزم بآداب السنة، وذلك ما عرف عن هذا الشيخ الذي فاح عبير كلماته ووصاياه وخطبه فتنسمها الناس في كل ما كان.
عاش البغدادي في العصر العباسي الثاني، في عهد عدد من الخلفاء العباسيين، من أبرزهم الخليفة المعتضد بالله، والمكتفي بالله، وتوفي في عهد الخليفة المقتدر بالله.
أقبل على العلوم الدينية فحفظ القرآن وعرف التفاسير ودرس السنة، ثم ولج إلى التصوف، حيث كانت بغداد في ذلك الوقت عاصمة للمعارف، وكان يقرأ في كل يوم ختمة من القرآن الكريم، فإذا كان شهر رمضان قرأ في كل يوم وليلة ثلاث ختمات.
نشأ البغدادي في بيئة صوفية منضبطة بالكتاب والسنة، فصحب كبار المشايخ وعلى رأسهم الجنيد، الذي كان يرى في أبي العطاء بصيرة نافذة وقدرة فريدة على فهم معاني القرآن الكريم، حيث سار في طريق الزهد والتجربة الروحية، وكان شعاره الدائم: (الالتزام بالسنة وأقوال وأفعال النبي)، كما صحب إبراهيم المارستاني وسعيد الخراز، واشتُهر بكونه «لسان القوم» في تفسير القرآن، حيث كان يربط الآيات بآداب النفوس وأحوال القلوب، ما جعله مرجعاً للزهاد والعلماء في عصره، وبلغ في التصوف مبلغاً كبيراً حتى صار أحد أهم أركان الصوفية في عصره، وقال عنه الخراز: «التصوف خُلق وليس إنابة، وما رأيت من أهله إلا الجنيد، وابن العطاء».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك