عمان– يدخل ملف قانون الإدارة المحلية في الأردن مرحلة حساسة، تتقاطع فيها الاعتبارات التشريعية مع استحقاقات الانتخابات البلدية، في ظل تأخر إحالة مسودة القانون المعدل إلى مجلس الوزراء، برغم الوعود الحكومية المتكررة بقرب إحالتها مطلع الشهر الماضي.
اضافة اعلان.
هذا التأخر لا يفتح الباب فقط أمام تساؤلات حول مسار الإصلاح في منظومة الإدارة المحلية، بل يضع الحكومة أمام اختبار حقيقي لمدى قدرتها على إدارة واحد من أكثر الملفات ارتباطاً بالحياة اليومية للمواطنين وبمسار التحديث السياسي والإداري في البلاد، وفق خبراء.
فمع حلّ المجالس البلدية ومجالس المحافظات ومجلس أمانة عمّان الكبرى منذ تموز (يوليو) العام الماضي، وتأجيل الانتخابات التي كان يفترض عقدها في آذار (مارس) إلى تموز (يوليو) من العام الحالي، تتصاعد المخاوف من ضيق الوقت المتاح لمناقشة قانون يُفترض بأن يعيد صياغة العلاقة بين الإدارة المحلية والتنمية في المحافظات.
وبين احتمالات تمرير القانون على عجل، أو الذهاب نحو تأجيل جديد للانتخابات، يزداد الجدل بين خبراء ومختصين يرون بأن غياب الشفافية حول مشروع القانون وتأخر طرحه للنقاش العام، قد يفضيان إلى إرباك المشهد البلدي وتعطيل مسار الإصلاح المنشود.
الـ" الغد" حاولت التواصل في الأيام الماضية مع وزارة الإدارة المحلية للاستدلال على أسباب التأخر بإرسال المسودة لمجلس الوزراء، لكنها لم تتمكن من الحصول على رد منهم.
وكان مجلس الوزراء، حلّ المجالس البلدية، ومجالس المحافظات ومجلس أمانة عمّان الكبرى العام الماضي، في حين يفترض عقد الانتخابات في آذار (مارس) الحالي بعد هذه الخطوة، لكنها الآن أُجلت إلى شهر تموز (يوليو) من هذا العام.
ويبدو أن الدورة البرلمانية الحالية تشهد مناقشة قوانين" مفصلية"، منها تعديل لقانون الإدارة المحلية الذي لم يُعرض على العموم لإبداء الرأي، برغم تعيين مجالس بلدية ومجالس محافظات، مضى عليها أكثر من سنة، وفق مستشار العمارة والتصميم الحضري د.
مراد الكلالدة.
وأكد لـ" الغد" أن الحكومة" تتكتم" بشأن المواد المراد تعديلها، ومن المتوقع الدفع بالقانون لمجلس الأمة على" عجالة"، والذي يضعه في مواجهة أمام" ضغط الوقت" لمناقشته، ليُقر في نهاية الأمر كما ورد مع بعض التعديلات" الشكلية".
وفي اعتقاد الكلالدة، فإن ثمة" تجاهلاً" واضحاً، أو ما يُسمى" استفراداً" للوزارة بالقانون، " بحجب" الاطلاع عليه من المعنيين في الشأن البلدي.
وهذا الأمر يضع الحكومة التي اتخذت من رؤية التحديث الاقتصادي مساراً لها، في مواجهة سؤال جوهري إن كانت" ستضيّع" فرصة الوصول إلى قانون عصري للإدارة المحلية، يتجاوز المعمول به حالياً.
في وقت لم" يطوّر" فيه القانون النافذ عمل البلديات، ولم" يخفض" من مديونتها، ولم" يقلل" الفجوة بين الناخب والمنتخب، ولم يحوّل المدن والقرى الأردنية إلى مراكز نمو، ووفقاً لمخططات إقليمية وهيكلية، وتفصيلية جاءت بنوده بها.
لذلك فإن التغيير المنشود يتطلب مشروع قانون يتسم بأنه" استثنائي"، يعيد النظر في الإدارة المحلية، بعد أن حظيت الحكومة بالوقت الكافي لإعداد المشروع المعدّل، تبعاً له.
لكن الحكومة، بحسب الكلالدة، " حرَمت" المختصين والمشرعين من" حقهم" بمناقشة مواد القانون" بحرية"، بعيداً عن ضغط الوقت، لتضع وزارة الإدارة المحلية البلاد في مرحلة" تعطيل" ديمقراطي من جهة، و" ضيق الفترة الزمنية" المتاحة لمناقشة القانون المعدل.
وبناءً على ذلك، توقع بأن تذهب الحكومة نحو تأجيل الانتخابات لـ6 أشهر أخرى بعد تعديلها للقانون لمنح الشرعية لقرارها.
وفي نهاية المطاف، وبحد قوله، فالحكومة هي" صاحبة" الولاية العامة بهذا الشأن، ولكن" التسويف" سيزيد من" الفجوة" بين الحكومة والمواطنين، الذين ينتظرون قانونًا سيُحدِث" نقلة نوعية" في نوعية حياتهم، من ناحية الخدمات المقدمة لهم، وضمن الدور التنموي المأمول من بنوده.
مؤكدًا أن الأهم من التأجيل هو" مضمون" ما سيخرج به القانون، إذ ليس هناك حاجة لتكرار التجارب السابقة وتوقع نتائج مختلفة.
إن" التباطؤ" في إرسال مسودة القانون، برغم الإعلانات المتكررة، يعكس" غياباً" للوضوح والتخطيط في إدارة هذا الملف الحيوي، والذي لا يمكن معه بناء إدارة محلية" حصيفة ومستقرة"، في ظل حالة التردد التشريعي، وفق الخبير د.
أسامة العزام.
فبرأيه، إن هذا" التأخير"، في ظل غياب" المكاشفة"، وتقديم مبررات" شفافة" للرأي العام، " يربك" المشهد البلدي، و" يضعف الثقة" في" جدية" مسار التحديث الإداري والسياسي المتعلق بالبلديات ومجالس المحافظات؛ فالتشريعات الأساسية لا ينبغي أن تخضع لسياسة" التجربة والخطأ" أو" التأجيل غير المبرر".
وبعد أن وافق مجلس الوزراء على تأجيل إجراء انتخابات المجالس البلدية لـ6 أشهر، اعتبارًا من 7 كانون الثاني (يناير) الماضي، فإن العزام يؤكد أن 6 أشهر من الناحية المؤسسية والتشريعية، " فترة غير كافية" إطلاقاً لإنضاج قانون بهذا الحجم والأهمية، مشدداً على أن" سلق" القوانين، تحت ضغط الوقت غالباً ما ينتج تشريعات" مشوهة" تفتقر إلى أسس" الحوكمة الرشيدة" و" إدارة المخاطر".
ولفت إلى أن إقرار القانون يتطلب نقاشات وطنية وبرلمانية معمقة" لفك" التداخل في الصلاحيات، وتحقيق" الاستقلال" المالي للمجالس، في وقت تحتاج فيه الهيئة المستقلة للانتخاب، والأحزاب، والمواطنين لوقت" كافٍ" لاستيعاب أي نصوص، أو آليات جديدة قبل التوجه لصناديق الاقتراع.
وبشأن إمكانية تأجيل عقد الانتخابات لـ6 أشهر أخرى، أوضح العزام بأن التشريع الحالي يتيح لمجلس الوزراء صلاحية التأجيل إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك.
ومع المعطيات الحالية والتأخير الحكومي بحسم مسودة القانون الجديد، يصبح خيار التأجيل هو النتيجة" شبه الحتمية" لهذا التباطؤ.
لكنه حذر من أن هذه الخطوة ستؤثر" سلباً" على مسار التنمية في المحافظات، ففترات التمديد للجان المؤقتة تعني عملياً دخول بلديات في مرحلة" تسيير الأعمال" و" تجميد" الخطط الإستراتيجية والمشاريع الرأسمالية، لافتاً إلى أن البلديات اليوم بحاجة ماسة لمجالس منتخبة تتمتع" بالاستقرار والشرعية" لاتخاذ قرارات هيكلية، مثل تطوير الأداء المالي وجذب الاستثمارات وتطبيق مبادئ الحوكمة لتخفيف العبء التنموي والسكاني عن المركز، فيما حالة الانتظار والتأجيل" تعطّل" هذه المسارات تماماً.
وأضاف إلى ذلك أن الحاجة ليست لـ" الإسراع المخل" الذي ينتج تشريعاً" ضعيفاً"، بل الحاجة لـ" الحسم" وإقرار تشريع" نوعي وقوي" يعالج" الاختلالات" السابقة.
ومن وجهة نظره، فالأحداث الإقليمية والمحلية الراهنة والضغوط الاقتصادية تتطلب" تحصين" الجبهة الداخلية، وهذا يبدأ من بناء مؤسسات إدارة محلية تمتلك المرونة والقدرة على إدارة الأزمات وتقديم الخدمات" بكفاءة"، مشيراً إلى أن الأردن بحاجة إلى قانون يرسخ" النزاهة والشفافية" ويمنح البلديات صلاحيات" حقيقية" لتقود التنمية في مناطقها، لأن الإدارة المحلية القوية والمستقلة هي" صمام أمان" للدولة في مواجهة التحديات.
وحذرت الخبيرة بالشأن البلدي رنا الحجايا من" التأخر" بإحالة مشروع القانون، برغم تصريحات وزارة الإدارة المحلية السابقة عن عزمها إرسال المسودة مطلع الشهر الماضي إلى مجلس الوزراء، والذي قد يشير إلى أن الحكومة لم تكن تمتلك" تصورًا مكتملًا"، أو خريطة طريق" واضحة" لمسار الإصلاح في منظومة الإدارة المحلية.
وأكدت الحجايا لـ" الغد"، أن" غياب" معايير واضحة لتشكيل اللجان المعينة لإدارة البلديات، يثير معه تساؤلات حول طبيعة المرحلة الانتقالية التي يفترض أن تؤسس للفترة المقبلة، والذي يؤكد على عدم" جاهزية" الحكومة لتنفيذ" إصلاح حقيقي" في هذا القطاع.
وبرأيها فمهلة الـ6 أشهر المتبقية قبل موعد الانتخابات، تتسم بأنها" محدودة" في ظل الحديث عن قانون جديد، يتضمن تعديلات جوهرية.
فالمسار التشريعي، بحسبها، يتطلب وقتًا لمناقشة القانون وإقراره، وفترة زمنية كذلك لمنح الهيئة المستقلة للانتخابات لاستكمال إجراءات الانتخابات.
وهذه الخطوة، باعتقادها، تضع الحكومة أمام خيارين، أحدهما" التسريع" بإقرار القانون ضمن وقت ضيق، أو تأجيل الانتخابات لإتاحة الوقت الكافي لإقرار قانون متكامل.
لكنها لم تستبعد" احتمالية" تأجيل الانتخابات لمدة 6 أشهر أخرى، إذا لم" يُحسم" ملف قانون الإدارة المحلية في الوقت القريب.
واستندت في توقعاتها إلى أنه من الناحية القانونية، فإن التأجيل ممكن التنفيذ عبر قرار رسمي يصدر بذلك، أو تعديل تشريعي، ولكن يجب أن يبقى" خيارًا استثنائيًا" مع مراعاة الإبقاء على حق المواطنين في انتخاب ممثليهم في المجالس المحلية.
وبرغم ذلك، فإن الحجايا تؤكد أن أي" تأجيل إضافي" قد يؤثر على العمل البلدي، خصوصًا إذا استمرت إدارة البلديات عبر لجان معينة لفترة طويلة.
ولفتت إلى أن" غياب" المجالس المنتخبة، " يضعف" التفويض الشعبي، وينعكس" سلبًا" على مستوى اتخاذ القرارات التنموية، والتخطيط للمشاريع.
وفي ظل الظروف الإقليمية الراهنة، فمن المهم" الإسراع" في حسم ملف قانون الإدارة المحلية، لأن وجود إطار تشريعي" واضح ومستقر" يعزز عمل البلديات، ويزيد من" ثقة" المواطنين في الحكومة، ويساعد على تأسيس بيئة ديموقراطية حقيقية تعنى بتعزيز المشاركة الشعبية ضمن بيئة قانونية واضحة، كما ذكرت.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك