كان عادل إمام واحداً من ضيوف بيت جمال الليثي، الذي حكى لى أنه كان يجىء دائماً في صحبة محمد عبدالوهاب وفؤاد المهندس، وكان قد بدأ يحقق بعض الشهرة بدور «دسوقي» الذي مثله في مسرحية «أنا وهو وهي» وأصبح الناس يرددون عبارته «أصل دى بلد شهادات»، وأعطاه فطين عبدالوهاب دوراً صغيراً في فيلم «نصف ساعة جواز»، وكان جمال الليثي يرى، كما قال لي، أنه يستحق أن ينطلق ليمثل دور البطولة في فيلم سينمائى، ولهذا أعطاه دور البطولة أمام ميرفت أمين وسمير صبرى في فيلم «البحث عن فضيحة» وكانت أيضاً هى المرة الأولى التي يكتب فيها فاروق صبرى سيناريو سينمائياً، وقد حرص أن يحيط هذا الثلاثي الجديد، عادل وميرفت وسمير، بمجموعة من الكبار مثل يوسف وهبى وعماد حمدى لكى تتاح لهم فرصة النجاح كاملة، وكان مخرج الفيلم، وهو نيازي مصطفى، لأول مرة يتعامل معه كمخرج، وقد أخرج لشركته بعده فيلم «شلة المراهقين»، وعندما رأس جمال الليثي شركة القاهرة للسينما في القطاع العام أخرج نيازى مصطفي لها فيلم «فارس بنى حمدان» عن قصة الشاعر الكبير على الجارم وبطولة فريد شوقى وسعاد حسنى، وأخرج أيضاً لشركة القاهرة فيلم «شياطين الليل» بطولة هند رستم وفريد شوقى عن قصة كمال إسماعيل.
كان المخرج الكبير نيازى مصطفي رائداً من رواد السينما المصرية، أرسله استوديو مصر، عند إنشائه، إلى ألمانيا ليدرس الإخراج السينمائى، وعندما عاد تزوج من الفنانة الكبيرة «كوكا» وتخصص في إخراج أفلام المغامرات والحركة، والأفلام البدوية التي كانت تبرع في تمثيلها زوجته «كوكا».
وقد بنى شهرته على أفلام مثل «رصيف نمرة 5» و«حميدو» و«ابن حميدو» و«طاقية الإخفاء» و«عودة طاقية الإخفاء» ومئات من الأفلام.
وقد لقى المخرج الكبير نهاية مأسوية، إذ إنه قُتل في شقته بالجيزة، ولم يصل أحد إلى سر قاتله.
وكما روى لى جمال الليثي فقد استدعاه البوليس لكى يطلب منه معلومات عن نيازى مصطفى، وعن احتمال من يكون قاتله، خاصة وقد كانت تربط بينه وبين زوجته «كوكا» صداقة متينة، وكانا يتبادلان الزيارات إلى أن رحلت «كوكا» عن دنيانا.
وقد نفي في تحقيقات البوليس أى علم له بأسباب قتل نيازى مصطفي أو من يكون قاتله، وروى لى جمال الليثي أن الوسط الفنى كان يمتلئ بشائعة عن أن نيازى مصطفي بعد رحيل زوجته الفنانة كان قد ارتبط بفتاة شابة، كانت تهوى الفن وتريد أن تصبح ممثلة، وتزوجها بعقد عرفى، وأن أهلها ذهبوا إليه وطلبوا منه تسليمهم عقد الزواج فرفض، فأوثقوه بالحبال ثم قتلوه ورحلوا دون حتى أن يسرقوا شيئاً من الشقة التي كان بابها سليماً دون أدنى خدش.
وظل سر مقتل نيازى مصطفي مجهولاً.
استضاف الرئيس جمال عبدالناصر أول رئيس لجمهورية إندونيسيا، أحمد سوكارنو، وكانت أكبر جمهورية إسلامية في آسيا وحديثة الاستقلال، ونزل «سوكارنو» بفندق شبرد، محاطاً بالرعاية، وخُصص له حارس خاص اسمه حسنى السقا -وهو ضابط من دفعة جمال الليثي- وكما روى لى فقد كان حسنى السقا لا يفترق عن «سوكارنو» ولا يدعه يغيب لحظة عن عينيه، وكان الرئيس سوكارنو يضيق بهذه الرسميات، ويكره البقاء في فندق تحت رقابة عشرات العيون، وأبدى رغبته لحارسه حسنى السقا في أن يخرج ليتجول حراً طليقاً من قيود الأمن والرقابة والرعاية، وكان «حسنى» يمتلك سيارة فيات صغيرة، ركبها مع الرئيس سوكارنو واتجه إلى ريف الدقهلية حيث تقيم عائلة «السقا»، وكان «سوكارنو» أسعد الناس بهذه الرحلة وبالإقامة في بيت ريفي حيث لا يعرفه أحد، وافترش الأرض في صحن الدار وقد أحاط به أفراد العائلة وتحت عناية خاصة من أم حارسه حسنى السقا التي راحت تبالغ في إكرامه، وتقدم له وجبات الفطير المشلتت مع الجبن القريش والعسل الأبيض، وتعد له وجبات العشاء الزاخرة بالدجاج والحمام والديوك الرومى، ما أنساه أنه رئيس دولة وفي ضيافة دولة صديقة، وروى لى جمال الليثي كيف أحدث اختفاء الرئيس سوكارنو المفاجئ ذعراً على مستوى قيادة الأمن والمخابرات العامة وكل أجهزة الدولة، وقلق الرئيس جمال عبدالناصر على اختفائه يوماً وليلة، وأن حارسه الخاص حسنى السقا أصر على العودة إلى الفندق راجياً إياه أن يذكر للرئيس عبدالناصر أنه اختفي بناء على رغبته في أن يلتقى وجهاً لوجه مع الناس العاديين في مصر، وأنه لا ذنب لحارسه الخاص في الهروب من القيود، وعندما وصل «سوكارنو» عائداً إلى فندق شبرد، أمسك بسماعة التليفون وطلب رئاسة الجمهورية وتحدث مع جمال عبدالناصر ولم ينسَ أن يطلب منه مسامحة حارسه الشخصى الذي لبّى رغبته لزيارة الريف.
وعفا «عبدالناصر» عن حسنى السقا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك