في بداية أربعينات القرن الماضى كان النشاط الفنى يقتصر إما على العمل في السينما وإما العمل في المسرح، وكان نجوم السينما يفضّلون عادة التوقف عن التمثيل حينما تحل أيام شهر رمضان، طلباً للراحة، خاصة إذا جاء رمضان في أشهر الصيف، حيث تشتد درجة الحرارة، ويصبح التصوير داخل الاستوديوهات المغلقة أو حتى التصوير الخارجى أمراً في غاية الصعوبة، من هؤلاء الفنانين نجم كوميديا هذه الفترة على الكسار الذي كان يفضل قضاء نهار رمضان في التعبّد وقراءة القرآن الكريم، وحدث أن كان الكسار يؤدى دوره في فيلم «على بابا والأربعين حرامي»، من إخراج توجو مزراحي، فلما اقترب الشهر الفضيل طلب الكوميديان الكبير من توجو مزراحي أن يوقف تصوير الفيلم، فاحترم مزراحى (يهودى الديانة) رغبة بطل فيلمه في التمسّك بعاداته الدينية المعتادة، لكن الكسار لم يكن يتوقف عن الظهور على خشبة المسرح في هذا الشهر، وكانت عروض فرقته تبدأ عادة في العاشرة مساءً وتنتهي قبل موعد السحور، وتصادف في هذه السنة أن فرقة على الكسار المسرحية لم يكن لديها عرض مسرحى جديد، ولما كانت الفرقة تقدّم عروضها في القاهرة فمن الطبيعى ألا يقدم جمهور جديد على مشاهدة مسرحياته المعادة، هكذا أيقن الرجل.
وهنا قرر الكسار أن يقوم برحلة فنية يطوف خلالها بعض مدن الوجه القبلى في أيام شهر رمضان، ممنياً نفسه بجمهور جديد يتعطش لمشاهدة نجومه المفضّلين الذين لا يراهم إلا على شاشة السينما، وكان ذلك سنة 1942 وقت اشتداد وتيرة الحرب العالمية الثانية وما صاحبها من غارات دول المحور على مصر، التى كانت تحتلها الجيوش الإنجليزية، وكانت الغارات الجوية لا تتوقف عن معظم مدن مصر، وحدث أن اصطحب الكسار مع فرقته في هذه الرحلة ممثلاً اشتُهر بسوء الطالع وسوء الحظ الذي يلازمه في كل خطواته وأعماله، ولم يستمع الكسار إلى نصائح أعضاء الفرقة بالعدول عن اصطحابه خوفاً من طالعه، فقد كان يعطف عليه، ويعتبره من المقرّبين إليه، وسافر الممثل مع الفرقة إلى أسيوط في اليوم الأول من رمضان، وعند وصول الفرقة إلى المحطة زلت قدم إحدى الممثلات البارزات في الفرقة، وهي الفنانة عقيلة راتب، فسقطت على الأرض وأصيبت بكسر في قدمها لزمت بسببه الفراش في أحد مستشفيات أسيوط طوال شهر رمضان.
وفي الليل، بدأت الفرقة عملها وما كاد الستار يرتفع عن الفصل الأول حتى دوت صافرات الإنذار، معلنة حدوث غارة جوية، فأطفئت الأنوار واستمرت الغارة أكثر من ساعتين، ولما أعلنت صفارة الأمان انتهاء الغارة واستأنفت الفرقة التمثيل كان جميع المتفرجين قد انصرفوا إلى بيوتهم، خوفاً من الغارات واستعداداً للسحور، فقرر الكسار إسدال الستار في تلك الليلة، وانتقلت الفرقة بعد يومين إلى مدينة أخرى، وبمجرد وصولها أعلنت المدينة حدادها على أحد الأعيان المعروفين الذي رحل في هذا اليوم، وأغلقت دور المسارح والسينما أبوابها، مشاركة في الحزن على الفقيد الكبير، وهنا رأى الكسار أن يتخلص من «نحس» هذا الممثل، فمنحه مبلغاً من المال، وأعطاه ثمن التذكرة، وأوصله بنفسه إلى محطة القطار.
المدهش أن فرقة الكسار عندما استأنفت جولتها في مدن الوجه القبلى متجهة إلى المنيا وبنى سويف لم يعكر صفوها أى حادث جديد، وهنا أخذ الممثلون يتندّرون على زميلهم الذي زال نحسه بمجرد أن غادر الفرقة، ويلومون الكسار لأنه لم يستمع إليهم بعدم اصطحابه هذا الممثل، لكن الكسار الذي كان معروفاً بطيبة القلب وحبه للجميع كان يقول لهم إنها مجرد صدفة، وحينما انتهت جولته في الصعيد، وعاد إلى القاهرة مع نهاية أيام شهر رمضان عاد وضم الممثل إياه إلى فرقته مرة أخرى، ليُثبت للجميع أنها مجرد صدفة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك