لن يترك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شيئًا للصدفة في تحضيراته لاستضافة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضمن قمة مجموعة السبع الكبار المرتقبة في منتجع إيفيان الجبلي خلال الفترة من 15 إلى 17 يونيو الجاري، إذ كشفت صحيفة بوليتيكو الأمريكية، نقلًا عن مسؤولَين فرنسيَّين مطلعَين على التحضيرات، أن قصر الإليزيه يُعد لعشاء خاص لاثنين في قصر فرساي الأسطوري، مستندًا إلى ميل ترامب المعروف للأجواء المذهبة والمبهرة، في رهان دبلوماسي محسوب على إبقائه منخرطًا في أبرز ملفات القارة العجوز.
بحسب ما أوردته بوليتيكو، سيُقام العشاء مساء 17 يونيو، اليوم الختامي للقمة، في الجناح الفاخر الذي شهد مجد الملك لويس الرابع عشر، وسيكون أكثر حميمية بكثير من حفل العشاء الملكي الذي أُقيم للملك تشارلز الثالث وحضره نحو 200 شخص.
والفكرة من ورائه، وفق المصادر ذاتها، تأمين انخراط الرئيس الأمريكي في الملفات الخلافية الكبرى التي تُقلق أوروبا، في مقدمتها الحرب الروسية الأوكرانية والتداعيات الاقتصادية للنزاع المتصاعد في إيران.
غير أن مصدرًا مقربًا من الرئاسة الفرنسية أكد لبوليتيكو أن العشاء" غير مؤكد بعد"، مضيفًا بأسلوب لافت: " كل شيء وارد، وهناك أيضًا ملعب جولف في إيفيان"، في إشارة إلى أن باريس تحتفظ بخيارات بديلة لاستمالة ضيفها الأمريكي.
لا يُخفي المسؤولون الفرنسيون والأوروبيون قلقهم من أن يُغادر ترامب القمة مبكرًا أو يُفجرها من الداخل، وهو ما دفع الجانب الفرنسي إلى جملة من الاحتياطات غير المعتادة.
فوفقًا لبوليتيكو، أقدم ماكرون على تأجيل موعد القمة، الذي كان مقررًا في الأصل في 14 يونيو، وذلك لإتاحة الفرصة لترامب لحضور مباريات القتال الحر المقررة بمناسبة عيد ميلاده الثمانين على حلبة البيت الأبيض، كما صيغت قائمة المدعوين بعناية مع أخذ شخصية ترامب بالحسبان.
وقال نائب من حزب رينيسانس الليبرالي لبوليتيكو، بشرط عدم الكشف عن هويته، إن الهدف هو" تجنب ما جرى في كندا العام الماضي حين غادر ترامب مبكرًا، أو أزمة من نوع ملف جرينلاند"، فيما وصف بعض المسؤولين القمة بأنها اختبار ينبغي" اجتيازه" بأقل الخسائر.
حين تُفتح القصور تُغلق الأزماترصدت بوليتيكو نمطًا ثابتًا في التعامل مع ترامب، مفاده أن الزيارات ذات الطابع الملكي كانت الأوفر حظًا من النجاح، إذ انبهر بالاستقبال في قصر ويندسور البريطاني، وأبدى انطباعًا إيجابيًا لافتًا خلال عشائه مع ملك وملكة هولندا على هامش قمة الناتو في لاهاي عام 2024.
وكان ماكرون نفسه قد استوعب هذا الدرس مبكرًا، ففي قمة بياريتز عام 2019، نجح بعشاء مرتجل في احتواء تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية على فرنسا قبل أن تتحول إلى أزمة.
وقال مسؤول أوروبي لبوليتيكو معلقًا على مخطط فرساي: " عليك أن تُبهره وتتملقه.
لقد فعلوا برج إيفيل، فماذا تبقى إن لم يكن قاعة المرايا في فرساي؟ "توضح بوليتيكو أن الانبهار بالفخامة وحده لا يكفي، بنظر كثير من المراقبين، في ظل الحرب التجارية التي أشعلها ترامب وتجاهله لمواقف الحلفاء حيال ملفَّي إيران وأوكرانيا، إذ أشار المسؤول الأوروبي ذاته لبوليتيكو إلى أن" المديح لا يُجدي إلا في سياق توازن القوى، أو حين يكون ثمة مكسب آني للولايات المتحدة أو عائلة ترامب"، مضيفًا بصراحة: " هذا ما لا نستطيع تقديمه، لا يمكننا منح ترامب قلعة في فرنسا".
لا تخلو الأجواء المحيطة بالقمة من عوامل التقلب والمفاجآت، إذ أقدم ماكرون، في خطوة مفاجئة تمثل تحولًا عن خططه السابقة، على دعوة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي للمشاركة، وهو ما يُضيف توترًا استثنائيًا في ظل العلاقة الشائكة بين الأخير وترامب.
يُضاف إلى ذلك ملف مضيق هرمز المشتعل، إذ دعا وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الشهر الماضي حلفاء الناتو للعمل على" خطة بديلة" لفتح المضيق حتى وسط اشتعال الحرب، فيما لم يتوقف ترامب عن اتهام الأوروبيين بخذلانه في الأزمة الإيرانية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك