خلقَ اللهُ تعالى الإنسانَ وكرَّمَهُ وأنعمَ عليه، ولم يتركهُ يتحسَّسُ طريقَهُ في الظُّلماتِ، أو تختطفُهُ الغاياتُ والشَّهواتُ، أو يكونُ لقمةً سائغةً للشَّيطانِ الذي تعهَّدَ بإغوائِه؛ بل جعلَ اللهُ لهُ طريقًا للهداياتِ.
وتتنوعُ هداياتُ اللهِ سبحانهُ وتعالى، فالهدايةُ نوعانِ: هدايةُ البيانِ، وهدايةُ التوفيقِ.
فأمَّا هدايةُ البيانِ والبلاغِ فيشتركُ فيها جميعُ البشرِ؛ إذ أرسلَ اللهُ سبحانهُ رسلَهُ وأنبياءَهُ ليهدوا النَّاسَ إليه، ويعرِّفوا الإنسانَ ربَّهُ، ويعبدَهُ وحدهُ.
وأمَّا هدايةُ التوفيقِ فهي خاصَّةٌ بالمؤمنينَ؛ إذ يوفِّقهمُ اللهُ تعالى لعبادتِه وحدهُ، وييسِّرُ لهم طاعتَهُ.
وقد خصَّ اللهُ سبحانهُ وتعالى شهرَ رمضانَ الكريمَ بكثيرٍ من الفضائلِ والخيراتِ، وأنزلَ فيه كثيرًا من البركاتِ، وجعلَ فيه أنوارًا ونفحاتٍ؛ وأعظمُ تلك النفحاتِ أنَّهُ أُنزلَ فيه قرآنٌ يُتلى آناءَ الليلِ وفي الصَّلواتِ، ذلك الكتابُ الذي لا ريبَ فيه، وفيه أعظمُ الآياتِ، ويُنقذُ الإنسانَ من الضَّلالاتِ.
وفي هذا الشهرِ المباركِ تتجلَّى معاني الهدايةِ بأوضحِ صورِها؛ إذ تتضاعفُ فيه أسبابُ الخيرِ، وتُفتَحُ أبوابُ الطاعاتِ، وتتهيَّأُ القلوبُ للرجوعِ إلى اللهِ تعالى، فيقبلُ العبدُ على ربِّه بقلبٍ خاشعٍ ونفسٍ تائبةٍ، فيكونُ رمضانُ فرصةً ربَّانيَّةً متجدِّدةً لإصلاحِ النُّفوسِ، وتصحيحِ المسارِ، وتجديدِ العهدِ مع اللهِ تعالى على الطاعةِ والاستقامةِ.
كما أنَّهُ شهرُ الهداياتِ؛ فقد اختارَهُ اللهُ سبحانهُ وتعالى لينزلَ فيه القرآنَ الكريمَ، أعظمَ كتابٍ تتحقَّقُ به هدايةُ البيانِ، يقولُ اللهُ تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ.
) (البقرة).
ففي القرآنِ الكريمِ أعظمُ دلائلِ التوحيدِ، وهو الكتابُ الجامعُ لكلِّ بيانٍ وبلاغٍ؛ فمن آمنَ به، وتدبَّرهُ، وأيقنَ بما فيه، فقد هُدِيَ إلى صراطِ اللهِ المستقيمِ.
وقد ارتبطَ شهرُ رمضانَ بالقرآنِ الكريمِ ارتباطًا وثيقًا؛ فإذا أقبلَ المسلمُ على القرآنِ في رمضانَ يقرؤُهُ ويتدبَّرهُ، فقد نالَ هدايةَ التوفيقِ، إذ وفَّقَهُ اللهُ تعالى لينالَ بكلِّ حرفٍ أجرًا.
والصَّائمونَ، بعدَ أنْ مَنَّ اللهُ عليهم بقبولِ هدايةِ البيانِ فآمنوا باللهِ تعالى، مَنَّ عليهم كذلك بهدايةِ التوفيقِ؛ إذ وفَّقهم لطاعتِه، فصاموا إيمانًا واحتسابًا للهِ، يتسابقونَ إلى العبادةِ في خشوعٍ وإقبالٍ على اللهِ، فتراهم ركَّعًا سُجَّدًا، قوَّامينَ للهِ، لا يبتغونَ الأجرَ إلَّا من اللهِ في أيَّامٍ معدوداتٍ.
وكم من أناسٍ كانت هذه الأيَّامُ فارقةً في حياتِهم، بعدَ أن عرفوا طريقَ الهدايةِ وطريقَ اللهِ تعالى.
فالصَّائمُ لم يتركْ طعامَهُ وشرابَهُ وملذَّاتِه إلَّا إيمانًا باللهِ واحتسابًا، والقائمُ الذي يصلِّي لم يتركْ فراشَهُ ووقتَ راحتِه إلَّا للهِ وحدهُ.
وفي رمضانَ تتجلَّى آثارُ الهدايةِ في سلوكِ المؤمنِ وأخلاقِه؛ إذ لا يقتصرُ الصِّيامُ على تركِ الطَّعامِ والشَّرابِ فحسبُ، بل يمتدُّ ليشملَ تهذيبَ النَّفسِ وتزكيةَ القلبِ وضبطَ الجوارحِ.
فيتعوَّدُ المسلمُ الصِّدقَ، ويجتنبُ الغيبةَ واللغوَ، ويُقبِلُ على الإحسانِ إلى النَّاسِ، فتصفو نفسُهُ، وتلينُ سريرتُهُ، ويغدو أكثرَ قربًا من ربِّه.
وهكذا يتحوَّلُ رمضانُ إلى مدرسةٍ ربَّانيَّةٍ يتعلَّمُ فيها المؤمنُ معانيَ التقوى، ويخرجُ منها بقلبٍ جديدٍ وعزمٍ صادقٍ على الاستقامةِ بعدَ انقضاءِ الشَّهرِ الكريمِ.
فإذا اجتمعَ لأتباع الحبيبِ المصطفى صلى الله عليه وسلم قبولُ هدايةِ البيانِ، وتبعتْها هدايةُ التوفيقِ، لم يسعْهم إلَّا أن ينتظروا الجزاءَ من اللهِ تعالى؛ فيدخلونَ الجنَّةَ، وينالونَ الحسنى.
♦ بقلم الدكتور أسامة الحديدي مدير مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك