يكون الإنسان غنيا قياسا بعدد الأشياء التي يستطيع الاستغناء عنها، وهي مقولة الشاعر الفيلسوف الأمريكي هنري ديفيد ثورو التي تقلب المفهوم الشائع للغنى رأسا على عقب، مؤسِّسة لرؤية مغايرة تجعل الحرية من الحاجة لا التملّك هي المعيار الحقيقي لثراء الإنسان.
وتناول برنامج" قال الحكيم" في حلقة" عن الاستغناء" -التي يمكن متابعتها على هذا الرابط– هذا المفهوم الإنساني العميق من خلال أقوال الحكماء والعلماء والصوفية، متتبعا أوجهه المتعددة بين البُعد النفسي والفلسفي والروحي، ومحاولا الإجابة عن سؤال جوهري: كيف يصل الإنسان إلى الاستغناء الحقيقي؟وأوضح البرنامج أن الخسارة الأعمق في موضوع الاستغناء ليست ما يتركه الإنسان بإرادته، بل تخلي الأشياء عنه لأنه لم يمتلك شجاعة التخلي عنها أولا.
وهو ما عبّرت عنه الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي في مقولتها المؤثرة التي وصفت هذا الوضع بالفاجعة لا بالخسارة، وأضافت في السياق ذاته أن الإنسان لا يقتني أشياء ما لم يفقد أخرى، في منطق يجعل الترك نفسه ضربا من الكسب.
وعلى صعيد تعريف الغنى الحقيقي، تعددت أجوبة الحكماء وتنوعت، ففي حين رأى أحد أهل الحكمة أن الغنى هو قلة التمني والرضا بما يكفي، ذهب العالم الزاهد يحيى بن معاذ إلى تعريف أعمق، جاعلا الغنى هو الأمن بالله تعالى وتحقيق الشعور بالاطمئنان في كنفه، وهو تعريف يُحوّل الغنى من حالة مادية إلى حالة روحية خالصة.
وتأكيدا على هذا المعنى، دعا الإمام ابن قيم الجوزية إلى أن يستغني المرء بالله حين يستغني الناس بالدنيا، في مقابلة بليغة تكشف عن ثنائية الطريقين.
وانسجاما مع هذا التوجه، عبّر العالم المتصوف الجنيد البغدادي عن ارتباط الاستغناء بالافتقار في معادلة روحية دقيقة، مفادها أن صحة الافتقار إلى الله هي شرط صحة الغنى به، ولا يتم أحدهما إلا بالآخر.
وأوضح البرنامج عن أن الاستغناء عن الناس لا يعني قطع الحاجة إليهم كليا، وهو ما نبّه إليه الصحابي الجليل عبد الله بن عباس -رضي الله عنه- حين نصح من طلب الاستغناء التام عن الناس بأن يستغني عن" شرار الناس" لا عن الناس جميعا، لأن حوائج البشر متصلة بعضها ببعض كاتصال الأعضاء.
وفي المقابل، جعل الفيلسوف أبو حيان التوحيدي الاستغناء سلاحا في مواجهة المتجبرين، رأى فيه درعا يحمي كرامة الإنسان من الخضوع لغير الله.
وعلى صعيد مسالك الوصول إلى الاستغناء، أجمع الحكماء على القناعة طريقا لا غنى عنه، إذ أكد الأديب الأندلسي ابن عبد ربه أن من أطاع الله -عزّ وجل- نصره ومن لزم القناعة زال فقره.
وذهب الفقيه ابن عطاء الله السكندري إلى أبعد من ذلك، جاعلا طلب الإنسان من غير الله دليلا على بعده عنه، في حين يعلم القريب من الله أنه سبحانه خير كافٍ يُستغنى به عن الجميع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك