بين أحضان أزقة مراكش العريقة وعرصاتها الخضراء وقباب مآثرها وأضرحة رجالها السبعة، نشأت الفارسة غيثة اجحيات.
لم تكن كغيرها من الفتيات اللواتي يكتفين بمشاهدة “المواسم” من بعيد؛ بل كان يسكنها شغف جامح يشدها نحو السرج واللجام والمكحلة، ويجعلها ترى في صهيل الخيل نداء للحرية وإثباتا للشجاعة والإقدام.
اليوم تقف غيثة نموذج للمرأة المغربية التي كسرت الصورة النمطية، لتتحول من طفلة تراقب والدها “الباردي” بخفية إلى فارسة تهز الميادين بطلقات البارود.
ولم يكن طريق غيثة نحو الميدان مفروشا بالورود أو مدعوما منذ البداية بالقبول العائلي، كما تقول في حديثها مع جريدة “العمق”.
فرغم أن والدها كان “بارديا” قديما، إلا أنه أبدى تحفظا على رغبتها في ركوب الخيل، خوفا عليها من مشاق رياضة صعبة تتطلب قوة بدنية كبيرة وجرأة قد لا تتحملها “الفتيات” في نظره.
لكنها اختارت أن تتعامل مع الأمر بصبر واحترام لرأي أسرتها؛ فانتظرت حتى أنهت دراستها وانخرطت في سوق الشغل.
وتقول: “عندما بدأت أشتغل وأتحمل مسؤوليتي، شعرت أن الوقت أصبح مناسبا لأتبع شغفي بطريقة لا تضعني في مواجهة مع عائلتي، بل في إطار التفاهم والاحترام”.
وهكذا بدأت رحلتها الفعلية مع الخيل، خطوة بعد أخرى، دون أن تفقد تقديرها لمخاوف والدها وحرصه عليها.
واجهت غيثة ممانعة من جزء من محيطها؛ فالعائلة، باستثناء والدتها التي كانت الداعم الأول، كانت ترى في ركوب ابنتهم للخيل خروجاً عن المألوف.
وتقول متحدثة عن تلك المرحلة: “كان بزاف ديال الناس ما متقبلينش الفكرة في البداية”، غير أن ذلك لم يمنعها من المضي وراء حلمها، خاصة مع وجود بعض الأصدقاء الذين شجعوها وساندوها.
لكن نقطة التحول الحقيقية كانت حين التقت بالمقدمة الزاهية أبو الليث.
هذه الأخيرة لم تكن مجرد قائدة “سربة”، بل كانت الجسر الذي عبرت منه غيتة نحو موافقة والدها، إذ استطاعت المقدمة بخبرتها ورصانتها إقناع العائلة بأن ابنتهم في أيد أمينة، وأن فن التبوريدة يتسع لشموخ النساء أيضا، تماما كما يتسع لشهامة الرجال.
ولا تنسى الفارسة، البالغة من العمر 26 سنة، تلك اللحظة التي اختلط فيها غبار الخيل بدخان البارود لأول مرة.
وبخلاف المسارات التقليدية التي تقتضي التعلم التدريجي على الأرض، قفزت غيتة، التي تشتغل حاليا في القسم التجاري بإحدى الشركات في الدار البيضاء، مباشرة إلى قلب الإثارة، وكان ذلك في موسم مولاي عبد الله أمغار، الذي يعد أكبر تجمع للفروسية التقليدية في المغرب.
وتصف تلك اللحظة بزهو طفولي قائلة: “أول مرة أطلقت فيها البارود كانت فوق ظهر الخيل مباشرة، وسط زغاريد النساء وتشجيع الجمهور الغفير.
كانت فرحة هستيرية، لدرجة أنني رفضت غسل يدي من بقايا البارود لساعات، أردت أن أحتفظ بتلك الرائحة كذكرى لأول انتصار لي على مخاوفي”.
وتؤكد غيثة أن التبوريدة “بحر كبير” لا يدرك غوره في يوم أو شهر، فهي مزيج معقد من الشجاعة المطلقة والتركيز الذهني.
وترى أن الفارسة الحقيقية هي من تتقن “التثبيت”، أي الوقوف على السرج بتوازن حديدي للتحكم في حركة الخيل وثقل “المكحلة” في آن واحد، مضيفة أن التبوريدة تعلم الانضباط وروح الفريق، فالفارسة لا تبحث عن مجد شخصي بقدر ما تسعى إلى تناغم السربة كاملة عند سماع كلمة “هوب” من المقدمة، لتخرج الطلقة موحدة كأنها زئير واحد.
وبكثير من العاطفة تتحدث الفارسة غيثة اجحيات عن الخيل، واصفة العلاقة بين “الباردي” وخيله بأنها أشبه بعلاقة الابن بوالديه، موضحة أن الفارس قد يحرم نفسه من أجل علف حصانه أو علاجه.
أما قبل دخول الميدان، فالأمر يتجاوز الرياضة ليصبح طقس روحي؛ إذ يجب أن يكون الفارس على طهارة (وضوء)، وتقرأ الفاتحة جماعة، ويتسامح الجميع فيما بينهم، لأن السرج في عرفهم قد يكون “قبر” للفارس في أي لحظة.
ورغم طموحها بأن تصبح “مقدمة” يوما ما، فإن احتكاكها بالواقع جعلها تدرك حجم المسؤولية؛ فالمقدمة هي الأم والمدربة والمسعفة والقائدة التي تتحمل تبعات أي حادث.
واليوم تعتبر غيتة نفسها نموذج لكل فتاة تطمح إلى كسر القيود المجتمعية.
رسالتها عبر “العمق” واضحة: “الخيل يعلم الثقة بالنفس والتواضع.
أنصح كل بنت بأن تدخل هذا الميدان بكل احترام للموروث وللأقدمية، فالمجتمع بدأ يتقبل وجود المرأة في ‘المحرك’ أكثر من أي وقت مضى”.
غيثة اجحيات ليست مجرد “باردية” تطلق النار في المواسم، بل هي قصة إرادة مراكشية تثبت أن المرأة المغربية، حين تسرج خيالها بالعزيمة، لا يمكن لأي حاجز أن يقف في وجه صهيل طموحها، كما سطرت المرأة المغربية عبر التاريخ أمجاد هذه الأمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك