إنه نقطة عبور رئيسية للتجارة الدولية وبات اليوم شبه مغلق.
منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، توقفت مئات السفن عن التحرك من جهة إلى أخرى في مضيق هرمز الذي يفصل إيران عن شبه الجزيرة العربية.
وكان الحرس الثوري الإيراني، الذي أكد في يوم الأربعاء 4 مارس/ آذار الجاري بأنه" حقق السيطرة التامة" على المضيق، قد حذر منذ يوم 28 شباط/ فبراير الماضي، تاريخ أول يوم للضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بأنه لن يسمح لأي باخرة بالعبور، ومن ثم هدد الحرس باستهداف كل من يغامر بذلك.
منذ ذلك التاريخ، تعرض عدد كبير من السفن لهجمات خصوصا عبر طائرات مسيرة فيما رفعت وكالات السلامة البحرية مستوى الخطر الأمني في هذا المضيق إلى" حرج" في مكان تمر منه نحو 20 بالمئة من النفط في العالم.
إلا أن هذا التهديد المادي لا يعد التحدي الوحيد الذي تواجهه هذه البواخر.
إذ يجب عليها أيضا مواجهة تزايد التداخلات الإلكترونية.
في يوم 1 آذار/ مارس الجاري، أشارت شركة" ويند وارد" البحرية إلى أن أكثر من 1100 سفينة تضررت من عمليات التشويش شبكات الجي بي إس في منطقة الشرق الأوسط في غضون 24 ساعة.
وهذا التداخل في شبكات تحديد المواقع ليس الأول من نوعه في المنطقة.
" تم الإعلام عن حوادث تداخل منذ منتصف سنة 2025 إلا أن حجمها تزايد بشكل كبير على إثر التصعيد العسكري في يوم 28 شباط/ فبراير الماضي" يقول موضحا جورج فولوشين المحلل المستقل في مجال الطاقة في اتصال مع فريق تحرير مراقبون فرانس 24.
يوجد شكلان رئيسيان لتداخل شبكات جي إن إس إس GNSS، و هو اسم مختصر يشير إلى الأنظمة العالمية لتحديد المواقع عبر الأقمار الاصطناعية، ومن بين هذه الأنظمة نجد برنامج جي بي إس الأمريكي.
الشكل الأول وهو الأكثر سهولة هو التشويش على أنظمة جي إن إس إس والذي يطلق عليه “jamming” باللغة الإنكليزية.
" التشويش يغرق إشارات الراديو التي ترسلها الأقمار الاصطناعية من خلال ضجيج قوي على نفس التردد" يقول جورج فولوشين موضحا.
قبل أن يضيف" وهو ما يجعل المستقبل يضيع الاتصال مع الأقمار الاصطناعية".
أما الشكل الثاني للتشويش، وهو أكثر تعقيدا، فيتعلق بانتحال أنظمة جي إن إس إس (أو ما يعرف بـ spoofing باللغة الإنكليزية) والذي يتمثل في" إدخال معلومات خاطئة على جهاز استقبال جي إن إس إس" حتى" يعطي معلومات خاطئة عن مكان الإبحار" يقول من جهته توماس وايتنتون، الخبير في الحرب الإلكترونية في معهد رويال يونايتد سيرفيس Royal United Services Institute.
وباتت هذه الممارسات أكثر فأكثر رواجا في مناطق النزاع، إذ لجأت روسيا لهذا الأسلوب على سبيل المثال لحماية بنيتها التحتية من الطائرات المسيرة الأوكرانية.
إلا أن تداخل أنظمة الجي بي إس يؤثر أيضا على مختلف الأجهزة الإلكترونية للمدنيين في محيط المكان وهو ما يشمل الطائرات والبواخر الأخرى.
معظم أنظمة الملاحة البحرية تعتمد على معطيات برنامج جي بي إس.
وهو ما ينطبق بالخصوص على نظام" أي إي إس AIS" الذي يسمح بتحديد مسارات السفن.
كما رصدت شركة" ويند وارد" أيضا بي يومي 28 شباط/ فبراير الماضي و2 آذار/ مارس الجاري، 35 منطقة ظهرت فيها للسفن إشارات خاطئة أو في غير محلها.
كما أحصت نفس الشركة البحرية أيضا عددا كبيرا من السفن تقدم في مواقع غير صحيحة من بينها" نحو عشر سفن" ظهرت في داخل اليابسة بالقرب من مطار الحمراء الإماراتي.
فيما ظهرت بواخر أخرى في مواقع تتعلق بمحطة نووية قريبة فيما تم رصد" المئات من السفن" فيما يشبه تحركات دائرية قبالة سواحل الإمارات العربية المتحدة وقطر وعمان، وهو يعد مؤشرا على وجود تداخل وتشويش على أنظمة الملاحة البحرية.
" عندما يكذب نظام جي بي إس، تضطر السفن للتوقف".
منذ اليوم التالي بعد اندلاع الحرب، حذر المركز المشترك للإعلام البحري (جي إم إي سي JMIC) الذي يديره تحالف بحري متعدد الجنسيات، بأن هذه التداخلات تمثل" تضخيما للمخاطر".
من جهته، يشير جورج فولوشين إلى المخاطر المرتطبة بتداخلات المواقع يمكن أن تكون قاسية ويضيف قائلا:
عملية" jamming" يمكن أن تؤدي إلى فقدان تام لمعطيات المواقع وتقدم تحركات غير صحيحة على الخرائط الرقمية، أما عملية spoofing، فيمكن أن تجعل سفينة ما تعتقد أنها توجد في مياه آمنة فيما أنها تنحرف في الحقيقة نحو أرض يابسة أو في اتجاه مياه إقليمية لدولة معادية.
ذلك يمكن أن يتسبب في وقوع حوادث كارثية على غرار الاصطدام أو الانحراف عن المسار، وذلك في مناطق ملاحة ضيقة".
تمثل تداخلات أنظمة الملاحة بالتالي" عاملا حاسما" في الإغلاق" العملي" لمضيق هرمز، وفق تود هيمفريس، الخبير في تداخل أنظمة جي إن إس إس والباحث في جامعة تكساس.
ويضيف هذا الخبير في تصريح لفريق تحرير مراقبون: " البواخر يجب أن تتحرك بشكل بطيء جدا في حال كانت لا تملك أنظمة رادار ومراجع بصرية لتفادي الاصطدام".
“" عندما يكذب نظام جي بي إس، فإن البواخر تضطر للتوقف" هذا ما كتبه أيضا من جهته المزود العالمي لبيانات التحليل" كبلير Kpler" في منشور على منصة إكس في يوم 1 آذار/ مارس الجاري في رد فعل على تأكيد وجود تداخل أنظمة جي بي إس في المنطقة ويضيف" لا يمكن للبواخر أن تثق في مكان وجودها وعدد كبير منها يختار عدم الانطلاق من الأساس".
وفق موقع" كبلير" فإن حركة ناقلات النفط في هذا المضيق تراجعت بنسبة تصل إلى نحو 90 في المئة مقارنة مع الأسبوع الماضي.
ولكن لماذا حصلت مثل هذا التداخلات الإلكترونية ومن الطرف الذي يقف وراءها؟من المستحيل تحديد مصدرها بشكل مؤكد.
إلا أن عددا كبيرا من الخبراء الذين تواصل معهم فريق تحرير مراقبون فرانس 24 يشيرون في المقابل إلى تورط محتمل من قبل إيران، على غرار تود هيمفريس الذي يضيف قائلا:
تداخل أنظمة جي بي إس الذي تعرضت له حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز هو بشكل شبه مؤكد من صنع إيران.
إذا أن معطيات نظام الإبحار أي إي إس AIS للسفن الموجودة بالقرب من مضيق هرمز تشير بوضوح إلى وجود عمليات spoofing (فريق التحرير: انتحال صفة جي بي إس) وليس مجرد عملية تشويش.
إنه من المؤكد أن عملية انتحال أنظمة جي بي إس تم ضبطها لكي تسبب في الإضرار بالسفن المبحرة ويبدو أنها تتركز في المناطق المحيطة بالمضيق.
كل ذلك يترك لنا انطباعا بوجود نية في شكل حركة الملاحة البحرية في هذه المنطقة، وهي حركة تملك إيران لوحدها دافعا للقيام بها".
في شهر حزيران/ يونيو 2025، إبان حرب الـ12 يوما بين إسرائيل وإسرائيل، تعرضت نحو 900 سفينة كانت موجودة حينها في مضيق هرمز و منطقة الخليج إلى تداخل في أنظمة الإبحار وهو ما نقلته وكالة بلومبيرغ في تلك الفترة.
وأشار مركز" جي إم إي سي JMIC" من جهتهه في تلك الفترة إلى وجود تشويش على أنظمة الجي بي إس كان مصدر مدينة بندر عباس الإيرانية الساحلية.
في هذا الصدد، يضيف جورج فولوشين من جهته أيضا بأن احتمال تورط إيران ه الأقرب ويوضح قائلا:
عندما يتحول المرور عبر المضيق إلى أمر غير ممكن إلكترونيا، يمكن أن تتمكن طهران من إيقاف حركة 21 مليون برميل نفط يوميا وشل الأسواق العالمية للغاز الطبيعي المسال وذلك مع الحفاظ على شكل من أشكال النفي في التسبب بالأمر.
عملية التشويش تعطي شكلا من أشكال السيطرة غير المرئية ولكنها أكثر حضورا من التهديد المادي الذي تشكله الطائرات المسيرة على الرغم من أنه يمكن استخدام الأمر في نفس الآن.
ذلك يخلق حاجزا نفسيا وعملياتيا يردع السفن من محاولة القيام بأية عملية عبور للمضيق".
إلا أن هذا الخبير يوضح في المقابل بأن" طبيعة الحرب الإلكترونية في حد ذاتها يمكن أن تسمح لك بنفي التورط بشكل واضح".
قبل أن يضيف فولوشين قائلا: " يمكن لأطراف إقليمية أخرى أن تنشر أيضا من جهتها أنظمة تشويش لضمان احتياجاتها الدفاعية الخاصة، وهو ما يجعل من الصعب بما كان تحديد مصدر واحد للأمر".
" معظم المشاركين يشنون هجمات جي إن إس إس بشكل أو بآخر".
بالنسبة إلى ديمتريس أمباتزيديس، المحلل في شركة كبلير، فإن هذه التداخلات هي من المرجح من قبل فاعلين" يبحثون عن حماية أراضيهم":
يمكن أن يكون ذلك يتعلق بإيران تماما مثل قواعد عسكرية في أبو ظبي دبي أو الدوحة.
وذلك لا يعني أنهم يستهدفون السفن.
يبحثون بكل بساطة عن التشويش على أنظمة جي بي إس للتتبع لتفادي وقوع ضربات عليهم.
القطاع البحري ليس الهدف الرئيسي، و ما نلاحظه على مستوى النقل البحري ليس سوى أضرار جانبية.
ويوضح هذا المحلل بأنه قام برصد عدة مناطق تضررت من هذه التداخلات: ثلاثة في إيران ولكن أيضا اثنان في الإمارات العربية المتحدة وواحد في قطر وآخر في وسط خليج عمان.
في سؤال لفريق تحرير مراقبون فران 24، قال صاحب حساب giammaiot2 على منصة إكس الذي يضم باحثين في ميدان الاتصالات اللاسلكية من جهته إنه يقدر أن" الارتفاع الكبير لعمليات التشويش وانتحال الجي بي أس في منطقة الخليج يعود بالأساس إلى أنظمة غير إيرانية، بل على سبيل تلك التي تعود للكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة والمملكة السعودية وعمان".
وقام هذا الحساب بدراسة تشكل التداخلات التي تم تسجيلها بين الإمارات العربية المتحدة ومضيق هرمز وتوصل إلى خلاصة مفادها بأن" يبدو أنها تعود على الأرجح لعدد من الأنظمة الأمريكية والإسرائيلية ولحلف شمال الأطلسي الناتو".
من جهته، يعتبر توماس وايتنتون أيضا بأن فاعلين مختلفين يمكنوا أن يكونوا وراء عمليات التشويش هذه ويضيف قائلا:
الإيرانيون يسعون على الأرجح إلى حماية أهداف معينة.
وينطبق نفس الأمر على الولايات المتحدة وباقي دول المنطقة.
أعتقد بأن معظم المشاركين يشنون هجمات جي إن إس إس بشكل أو بآخر.
وذلك لأنه، في حال عدم وجودها، لن يكون لديك أية وسيلة للحماية الإلكترونية من تهديدات على نظام جي إن إس إس.
أما بخصوص عمليات التداخل على أنظمة جي بي إس التي أثرت على حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز، فإن وايتنتون يوضح في المقابل:
دول الخليج والولايات المتحدة وإسرائيل يملكون كلهم مصلحة في أن تبقى حركة الملاحة البحرية سلسة في مضيق هرمز.
أعتقد أن اللجوء إلى التشويش من قبل الولايات المتحدة وحلفائها سيكون بطريقة تسعى إلى التقليل بأكبر قدر مستطاع من تأثيرها على حركة الملاحة المدنية حتى لو أن القرب الجغرافي سيؤدي لا محالة إلى بعض الاضطرابات.
في المقابل، فإن إيران تملك مصلحة في استخدام هذا التشويش كسبب في إدخال الاضطراب على الملاحة المدنية في منطقة الخليج، ولكنهم يبدون أقل دقة بكثير بسبب تقنيات التشويش التي يستخدمونها.
أعتقد أن الولايات المتحدة وحلفائها يقومون باستخدام التشويش على أنظمة جي إن إس إس بالأساس لغايات دفاعية فيما يستخدمها الإيرانيون بطريقة أكثر هجومية.
زد على ذلك أن تأثير هذه التداخلات الإلكترونية لم يقتصر على مضيق هرمز.
بل تم رصدها أيضا في سماء شبه الجزيرة العربية مع تداعيات بالخصوص على حركة الرحلات الجوية.
" كو فونداتور دي سكاي داتا سيرفيس Co-fondateur de SkAI Data Services، هي شركة سويسرية قامت بإعداد خريطة توضح مناطق التداخلات التي تم رصدها من قبل رحلات جوية، ورأى بينوا فيغيت ظهور هذه التداخلات الإلكترونية منذ يوم 28 شباط/ فبراير الماضي.
وفي الوقت الذي تم فيه إغلاق عدد كبير من المجالات الجوية في المنطقة، فإن جزءا صغيرا من الرحلات الجوية المتبقية تم توجيهها إلى جنوب الإمارات العربية المتحدة عبر عمان والمملكة السعودية.
" لقد رصدنا أن جزءا كبيرا من هذه الطائرات قد تأثر بهذه التداخلات على أنظمة جي بي إس" كما يوضح بينوا فيغيت.
في يوم 2 مارس/ آذار الجاري، وفق معطيات شركة Co-fondateur de SkAI Data Services، فإن ما لا يقل عن 169 طائرة كانت تحلق في شرق شبه الجزيرة العربية تأثرت على سبيل المثال بعمليات" spoofing".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك