أول ما بدأت الضربات الامريكية الإسرائيلية ضد ايران، ونشر خبر احتمالية تغيير النظام الحاكم، ظهرت كلمات وتلميحات من جميع أنحاء العالم عن استغلال الأطراف المعارضة للنظام الإيراني للوضع المستجدّ، وظهرت في الولايات المتحدة أصناف من المعارضة يتقدمهم -رضا البهلوي- نجل شاه المخلوع وظهوره في منتديات، كما برزت منظمة مجاهدي الخلق -منافقي الخلق -حسب التوصيف الإيراني الرسمي وهي منظمة قديمة كانت داخل ايران وجزءاً من الحركة الثورية في 1979 لكنه الخلاف الآيدولوجي بين الفكرين الديني الصارم واليساري دفعت به الى الخارج معارضة مسلحة في ثمانينيات القرن العشرين، وكانت مكوناً من مكونات القوات العراقية في الحرب.
كل هؤلاء وغيرهم من البلوش، ليسوا في موقع الاعتماد عليهم ميدانياً، خاصة من ينظر الى نفسه الشخصية المحببة والوريثة للنظام الإيراني الشاهنشاهي، وحسب استطلاع مؤسسة ـ كامان الهولندية – 2023 أجرته منظمة داخل الجالية الإيرانية في أوروبا فإن الرجل لا يتمتع إلا بنسبة ظئيلة من التأييد تنحصر في %25 شرط أن تكون ملكية دستورية، لهذا ولأسباب آنية وتاريخية، اتجهت الأنظار الى الطرف الكردي، والعيون كلها بدأت تنظر إلى ما يحدث في إقليم كردستان العراق، لأن المجموعات الكوردية الإيرانية المسلحة تستقرّ هناك في مخيمات، وهناك طريق العبور الى الأراضي الإيرانية للمواجهة المباشرة والشروع في تدمير الجسد النظام الإيراني العسكري والإداري.
في تناول هذا الأمر الخطير، حدث لغط كبير، وتضاربت موجات من التحليلات والتقارير الإخبارية وتناقضت، السبب الكامن والذي حرّك كل الأمور، هو المهاتفة التي بادر بها الرئيس الأمريكي ” دونالد ترمب” مع كل من الزعيم الكردي ” مسعود البارزاني” ونجل الرئيس السابق ورويثه في قيادة الحزب “بافل جلال الطالباني” لكن الأكثر لافتاً للنظر هو حديث ترمب مع ” مصطفى هجري” رئيس الحزب الدمقراطي الكردستاني الإيراني، صاحب الحق التاريخي في النضال ضد الأنظمة الإيرانية منذ تسعة عقود، ومؤسسه هو الأسطورة الرمز في المخيال الكوردي القومي “قاضي محمد” مؤسس جمهورية مهاباد” سنة 1947.
إن حديث الرئيس الأمريكي مع “هجري” فجّر تكهنات كبيرة، ومن حق المراقبين أن يتخيلوا كل شيء بعد نشر هذه المكالمات، ظهر الكثير من التحليلات والتوقعات، غالبيتها ذهبت بالإتجاه الخاطيء، وبعظها كان ظالماً بحق إقليم كوردستان.
ومن أشعل هذه الموجة من التكهنات هو اراجيف موقع -اكسيوس-الأمريكية.
إن المؤكد أن ما من شيء عملي حصل في التحرّك الكردي ضدّ إيران والمشاركة في الحرب إلى جانب الأمريكيين، ولا مؤشرات ولا نوايا لذلك، ولو حصل في ظل هذه المعطيات، سيكون ذلك خطأ شبه قاتل لإقليم كوردستان، نسرد في النقاط التالية الأسباب الوجيهة التي تجعل القيادة الكردية أن تبعتد عن التورّط في هذا الأمر، وهي من ثلاث زوايا.
تاريخية، وآنية، ومستقبلية، كالآتي:
أولاً: – تاريخياً إنّ الشعب الكوردي وبما ناله من ظلم وانعدام العدل بعد سايكس- بيكو والحربين العالميتين، اخذ مسار النضال، لكنه تعرض للخداع والخيانة المستمرة من الحلفاء والأصدقاء على طول الخط، ما أكسبه تجربة تارخية اليمة وقاسية وخلقت لديه قناعات واضحة، أولى هذه التجارب هي تأسيس وإعلان ” جمهورية كردستان” في المنطقة الكردية في ايران وعاصمته مدينة “مهاباد” العريقة بقيادة رجل الدين والسياسة “قاضي محمد” تحت الحماية الروسية حين كانت تحتل ايران وتحكمها، لكن الصلح بين السوفييت ونظام شاه المخلوع، سمحت للقوات الإيرانية بالتحرك والدخول في حرب مع الدولة الكوردية ومن ثم القضاء عليها وإعدام رئيسها وعدد من قادتها في ميدان “چوارچرا-chwarchra” وسط العاصمة.
وكذلك مع القيادة الكوردية العراقية “مصطفى البارزاني” والتخلي عنها في سبعينيات القرن الماضي، قال وقتها هنري كيسنجر للكورد: ومتى كانت السياسة أخلاقية؟ ”.
ثانياً: – الأحداث الآنية، والتي مازالت سخونتها لم تبرد، وربما يشكل الأحداث السورية أقوى الأمثلة على ذلك، إن التورّط الكوردي والسياسة التي اتبعوها في المنطقة الكوردية وشمال شرق سوريا، كان بفعل أمريكي، لأن الكورد قرّروا التصدي لتنظيم الدولة وحماية منطقتهم من سطوته وظلمه، حماية للأرض والروح والعِرض، لكن الذي دفع بهم إلى تجاوز منطقتهم وطرد داعش من مناطق سكنية عربية هو أميركا، هي من دربت القوات، وسلحتهم، وحددت لهم ميزانية سنوية من موازنة الدفاع الفدرالية، الذي حصل بعد هروب “بشار الأسد”، والتعاطي الممتاز بين القيادة السورية الجديدة وواشنطن، مال الأمريكيون إلى دمشق ورفعوا الغطاء عن قوات سوريا الدمقراطية، حتى لم يكونوا جادّين في الوصول إلى اتفاق مرضي يوحد القلوب والنفوس بين الطرفين، “وربما لا يعجبها ذلك”، فقال لهم “توم باراك”: مهمتكم انتهت.
كما حصل أن اتفق ممثل الرئيس الأمريكي “بريت ماكغورك” مع الإيرانيين والحشد الشعي الشيعي ضدّ إقليم كوردستان في أكتوبر 2017 بعد الإستفتاء على حق تقرير المصير.
فالآن لو حدث وأن ذهب الكرد مع الحرب الحالية، فإن إحتمالية وضع الحركة الكُردية الإيرانية في ذات الموقف ممكن جدّاً.
ثالثاً: – المستقبل، القراءة المستقبلية المبنية على مجريات الحرب الدائرة كلها توحي بعد الإنجرار وراء الصوت الأمريكي – الإسرائيلي، لأنه وبغض النظر عن النتيجة وبما أن السياسة لا ضمان لتحقق نتائجها وتنفيذ مخططاتها، فلا ثقة بترمب، ولا أحد قادر على تحديد هدفه وإلى أين سيمضي؟ لو حدث شيء فإن إقليم كردستان تخاطر مخاطرة كبيرة وقاتلة، للأسباب التالية:
* سيتعرض إلى قصف إيراني مدمّر بلا رحمة.
* تشن الفصائل المسلحة الشيعية العراقية هجمات جوية -عبر المسيرات- وبرّية على إقليم كوردستان، وبتواطوء مع الحكومة الفدرالية في بغداد.
* يحدث شرخ غير قابل للمعالجة مع المجتمع الشيعي في العراق وكل العالم، خاصة أن المرجع الشيعي الأعلى – علي السيستاني- وقف مع إيران في هذه الحرب.
* إن إقليم كوردستان مازال جزءاً من العراق، يلتزم بالسياسة الخارجية الرسمية.
* كما أن العلاقة بين طهران وأربيل وطيدة، وبين الطرفين اتفاقات متبادلة بحماية أمن الطرف الثاني، لهذا كله كانت البيانات المتكررة من القيادة الكوردية بأن أراضي إقليم كوردستان لن تكون منطلقاً للتوغل البرّي في إيران.
لكل هذا، وفي ظل هذه الظروف، فقد رفضت القيادة الكوردية العراقية والإيرانية مبدئياً تلبية المطالب المباشرة، وليس من العقل والحكمة أن يكون الكورد مع “حقانية قضيتهم” جسر الغطرسة الغربية في المنطقة، وما قاله ترمب إن الكورد رغبوا بالدخول إلى إيران وأنا قلت لهم لا تفعلوا هو محضُ كذب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك