على هامش إصدار دراسة أكاديمية بعنوان" على هامش المذكرة الملخصة للتدابير الضريبية الواردة في قانون المالية رقم 50-25 للسنة المالية 2026: تأطير نظري لقياس التأثير المحتمل على الاقتصاد المغربي".
حاورت" أنفاس بريس"، زهير لخيار، أستاذ التعليم العالي بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء ومنسق فريق المؤلفين حول مضامين هذه الدراسة.
ماهي أسباب إصدار دراستكم الأكاديمية حول التأثير المحتمل للتدابير الضريبية الواردة في قانون مالية 2026 على الاقتصاد المغربي؟تندرج هذه الدراسة في إطار النقاش المتواصل حول إصلاح النظام الضريبي بالمغرب ودوره في دعم التنمية الاقتصادية وتحقيق العدالة الاجتماعية.
وقد انطلقت من تحليل المذكرة الملخصة للتدابير الضريبية الواردة في قانون المالية رقم 50-25 للسنة المالية 2026، والتي تعكس استمرار المسار الإصلاحي الذي أطلقته الدولة منذ المناظرة الوطنية حول الجبايات سنة 2019.
علما أنه في ظلّ تزايد القيود على الميزانية، وتعزيز متطلبات الشفافية المالية، ومكافحة الاقتصاد غير المهيكل، تبقى السياسة الضريبية أداةً محوريةً في استراتيجيات التنمية الاقتصادية للدول.
في المغرب، وقد أدخل قانون المالية لعام 2026، الذي يأتي استكمالاً للإصلاحات التي أقرّها القانون الإطار رقم 69-19 بشأن الإصلاح الضريبي، مجموعةً من التدابير المتعلقة برسوم التسجيل والطوابع، بهدف تحسين إمكانية تتبّع المعاملات، وضمان الإيرادات العامة، وتعزيز العدالة الضريبية، مع دعم تحديث الإطار القانوني والمالي الوطني.
وقد حاول فريق البحث الذي أنجز هذه الدراسة مقاربة مختلف التدابير الضريبية الواردة في القانون من زاوية نظرية، من خلال ربطها بأهم النظريات الاقتصادية المرتبطة بالسياسة الجبائية، مثل نظرية الضرائب المثلى، ونظرية عبء الضريبة، والمنافسة الضريبية الدولية، ونظريات الامتثال الضريبي.
والهدف من هذا التأطير النظري هو تمكين القارئ من فهم الآليات الاقتصادية التي تحكم هذه التدابير، وتقييم آثارها المحتملة على الاقتصاد المغربي، سواء على مستوى الاستثمار أو النمو أو العدالة الضريبية.
كما أن هذه الدراسة تسعى إلى المساهمة في النقاش العمومي حول قانون المالية لسنة 2026، خاصة في ظل سياق دولي يتسم بتزايد القيود على الميزانيات العمومية واشتداد المنافسة الضريبية بين الدول لجذب الاستثمارات، إضافة إلى تنامي المطالب الاجتماعية المرتبطة بالإنصاف الضريبي وتحسين القدرة الشرائية.
ما أبرز المحاور التي ركزت عليها دراستكم في تحليل التدابير الضريبية الجديدة؟اعتمدت الدراسة مقاربة تحليلية تقوم على تقسيم التدابير الضريبية الواردة في قانون المالية لسنة 2026 إلى أربعة محاور رئيسية.
المحور الأول يتعلق بالتدابير الخاصة بالضريبة على الشركات، والتي تهدف أساساً إلى تحسين جاذبية الاقتصاد الوطني وتشجيع الاستثمار، من خلال اعتماد بعض الحوافز الضريبية أو إعادة تنظيم بعض الآليات المرتبطة بفرض الضريبة.
أما المحور الثاني فيتعلق بالتدابير المرتبطة بالضريبة على الدخل، والتي تسعى إلى تحقيق نوع من التوازن بين متطلبات العدالة الاجتماعية وضرورة الحفاظ على موارد الميزانية العامة.
المحور الثالث يتناول الأحكام المشتركة بين الضريبة على الشركات والضريبة على الدخل، وخاصة ما يرتبط بتوسيع نطاق آليات ضريبة الاستقطاع وتعزيز آليات الامتثال الضريبي.
في حين يركز المحور الرابع على التدابير التي تؤثر على الضريبة على القيمة المضافة، باعتبارها أحد أهم مصادر الإيرادات الضريبية في المغرب.
كما لم تغفل الدراسة الإصلاحات المتعلقة برسوم التسجيل والطوابع، والتي تهدف إلى تحسين إمكانية تتبع المعاملات الاقتصادية وتعزيز شفافية العمليات المالية.
وقد تم تحليل كل هذه التدابير وفق منهجية تقوم على عرض الإجراء الضريبي، ثم تحليل آثاره الإيجابية والسلبية في ضوء النظريات الاقتصادية والأدبيات الدولية في مجال المالية العمومية.
ماذا عن الآثار المتوقعة لهذه التدابير الضريبية على الاقتصاد الوطني؟تشير نتائج الدراسة إلى أن التدابير الضريبية الواردة في قانون المالية لسنة 2026 تحمل آثاراً اقتصادية متباينة بطبيعتها.
فمن جهة، يمكن أن تساهم بعض الحوافز الضريبية والإعفاءات الموجهة في تشجيع الاستثمار وتحفيز بعض القطاعات الإنتاجية، وهو ما قد ينعكس إيجاباً على النمو الاقتصادي وعلى خلق فرص الشغل.
كما يمكن لبعض الإجراءات، مثل توسيع نطاق ضريبة الاستقطاع، أن تعزز الامتثال الضريبي وتحد من ظاهرة التهرب الضريبي، خاصة في اقتصاد يتميز بوجود قطاع غير مهيكل واسع.
كذلك تسعى بعض التدابير المرتبطة بالضريبة على القيمة المضافة إلى تعزيز حيادية هذا النظام الضريبي وتحسين إمكانية تتبع المعاملات، بما يساهم في تقليص الاختلالات الاقتصادية ودعم شفافية الأنشطة التجارية.
كما أن بعض الإعفاءات الموجهة للمدخلات الزراعية أو المنتجات الصحية والسلع الأساسية يمكن أن تلعب دوراً في دعم القدرة الشرائية للأسر وتخفيف الضغط الاجتماعي.
لكن في المقابل، تشير الأدبيات الاقتصادية إلى أن مثل هذه التدابير قد تنطوي أيضاً على بعض التكاليف الاقتصادية.
فالإعفاءات الضريبية قد تؤدي إلى خسائر في الموارد العامة إذا لم تكن موجهة بشكل دقيق، كما قد تخلق بعض الاختلالات القطاعية أو التوزيعية.
كما أن توسيع آليات ضريبة الاستقطاع قد يؤدي إلى ضغط على التدفقات النقدية لبعض الشركات، خاصة المقاولات الصغيرة والمتوسطة، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف الامتثال الإداري المرتبطة بالإجراءات الضريبية الجديدة.
في رأيك، ما الشروط الأساسية لضمان نجاح هذه الإصلاحات الضريبية وتحقيق أهدافها الاقتصادية؟تشير الدراسة إلى أن نجاح التدابير الضريبية الواردة في قانون المالية لسنة 2026 لن يعتمد فقط على طبيعتها القانونية أو التقنية، بل سيظل مرتبطاً أساساً بكيفية تنفيذها على أرض الواقع.
فالتجارب الدولية تظهر أن فعالية الإصلاحات الضريبية ترتبط بشكل كبير بجودة الإدارة الجبائية، ووضوح القواعد الضريبية، وقدرة الحكومة على تبسيط الإجراءات وتقليص تكاليف الامتثال بالنسبة لدافعي الضرائب.
وفي هذا الإطار، يشكل تحديث الإدارة الضريبية ورقمنة الإجراءات أحد العوامل الأساسية لتعزيز الشفافية وتحسين العلاقة بين الإدارة ودافعي الضرائب.
فالأنظمة الرقمية يمكن أن تساهم في تحسين تتبع المعاملات وتقليص الأخطاء البشرية وتعزيز قدرات المراقبة، لكنها قد تطرح في المقابل تحديات مرتبطة بقدرة بعض الشركات، خصوصاً الصغيرة والمتوسطة، على التكيف مع هذه التحولات الرقمية.
كما تؤكد الدراسة على أهمية اعتماد آليات تقييم منهجية لقياس الأثر الفعلي لهذه التدابير بعد تطبيقها، سواء على مستوى الاستثمار أو الامتثال الضريبي أو توزيع العبء الضريبي بين الفاعلين الاقتصاديين.
فالتقييم المستمر يسمح بتعديل السياسات الضريبية وتطويرها بما يتلاءم مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية.
وفي نهاية المطاف، سيعتمد الأثر الحقيقي لهذه التدابير على تنفيذها ومستوى الدعم المقدم لدافعي الضرائب.
ويظل التوازن بين الكفاءة الإدارية والمرونة التشغيلية أمرًا أساسيًا لضمان دعم هذه الإصلاحات لأداء النظام الضريبي، والعدالة بين دافعي الضرائب، واستمرارية النشاط الاقتصادي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك