طالبت منظمة العفو الدولية السلطات الجزائرية بضرورة الالتزام الصارم بالمعايير الدولية للمحاكمة العادلة خلال إعادة المحاكمة لأربعة وتسعين شخصا على خلفية الأحداث التي شهدتها منطقة القبائل شمال شرق البلاد في شهر غشت من سنة 2021، مشددة على أهمية عدم اللجوء إلى عقوبة الإعدام واستبعاد أي أقوال أو اعترافات تم انتزاعها من المتهمين تحت وطأة التعذيب.
وكشفت المصادر ذاتها أنه خلال أطوار المحاكمة الأولى، صرح ما لا يقل عن خمسة متهمين بتعرضهم لشتى أنواع التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة أثناء فترة الاحتجاز، بما في ذلك الصعق بالصدمات الكهربائية والإيهام بالغرق والتهديد بالاغتصاب، بغرض انتزاع أقوال بالإكراه جرى استخدامها لاحقا لإدانتهم، مبرزة أن المحكمة لم تفتح أي تحقيق في هذه المزاعم الخطيرة، واكتفى القضاة بإبلاغ المتهمين بأن مسؤولية تقديم الشكاوى تقع بالأساس على عاتقهم.
ونقلت التقارير عن ديانا الطحاوي، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية، تأكيدها أن التحقيق المعيب والمحاكمة فادحة الجور اللذين أفضيا إلى هذه الأحكام القاسية يشكلان وصمة عار لنظام العدالة في الجزائر، معتبرة المحاكمة الجديدة فرصة مهمة للسلطات لوضع حد لهذا الاستخفاف وجبر الانتهاكات السابقة وضمان المساءلة دون الإعدام، ومطالبة بإجراء تحقيق شامل ونزيه وشفاف في مزاعم التعذيب واستبعاد الاعترافات القسرية، فضلا عن الإفراج الفوري عن المحتجزين لمجرد ممارستهم السلمية لحقوقهم وإسقاط جميع التهم الموجهة إليهم.
وأضافت الهيئة الدولية أنها قامت بتحليل الحكم الابتدائي وأجرت مقابلات مع ثلاثة محامين وأربعة من أفراد عائلات المتهمين فضلوا عدم الكشف عن هوياتهم، لتخلص إلى أن الملاحقة القضائية لعشرة متهمين على الأقل ممن صدرت بحقهم أحكام بالإعدام قد استندت حصريا إلى انتماءاتهم السياسية أو صلاتهم المزعومة بحركة تقرير مصير منطقة القبائل المعروفة اختصارا بحركة الماك، وهي مجموعة معارضة تصنفها السلطات كمنظمة إرهابية، لافتة إلى أن النيابة العامة لم تقدم أي دليل يثبت تواجدهم في مسرح الجريمة أو يربطهم بأعمال العنف، سيما وأن أربعة من هؤلاء العشرة كانوا خارج التراب الجزائري وقت وقوع الأحداث.
وأشارت المنظمة إلى أن المحكمة أخفقت في السماح لهيئة الدفاع بمناقشة شهود الإثبات، بمن فيهم عناصر الشرطة، واكتفت بالاعتماد فقط على شهادات خطية، منددة بإقدام قنوات تلفزيونية جزائرية في شهر غشت من سنة 2021 على بث مقاطع فيديو لاثني عشر متهما يظهرون فيها وهم يعترفون بمشاركتهم في مقتل ناشط أو بصلاتهم بحركة الماك، وهو ما يشكل انتهاكا صارخا لحقهم في افتراض البراءة وعدم إدانة الذات، وداعية السلطات إلى ضمان الحق في محاكمة عادلة وعلنية تحترم حق إعداد الدفاع واستجواب الشهود.
وأكدت الجهة المصدرة للبيان أن الجزائر لم تنفذ أي عمليات إعدام منذ سنة 1993، مجددة معارضتها المطلقة لهذه العقوبة في جميع الظروف ومذكرة بأن فرضها إثر إجراءات جائرة يجعلها تعسفية بموجب القانون الدولي، ومسجلة لجوء السلطات منذ شهر أبريل من سنة 2021 إلى الاستخدام الواسع للمادة 87 مكرر من قانون العقوبات وتوجيه اتهامات فضفاضة بالإرهاب لمقاضاة النشطاء والحقوقيين والصحفيين، إما بسبب مطالبهم بالتغيير السياسي أو لصلاتهم المزعومة بحركتي الماك ورشاد المعارضتين اللتين صنفتا ككيانين إرهابيين سنة 2022 في تعارض تام مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
وتابعت التقارير سرد تفاصيل القضية التي تعود جذورها لواقعة مقتل الناشط جمال بن إسماعيل بمنطقة الأربعاء نايث إيراثين والحرائق التي أسفرت عن مقتل 90 شخصا، مبينة أنه استنادا لمكتب النيابة العامة بمجلس قضاء الجزائر، أصدرت محكمة الجنايات بالعاصمة في 24 نونبر 2022 أحكاما بالإعدام حضوريا بحق 49 شخصا وغيابيا بحق سبعة آخرين، وعقوبات بالسجن تتراوح بين سنتين وعشر سنوات لثمانية وعشرين متهما مع تبرئة 17 آخرين، قبل أن يؤيد مجلس قضاء الجزائر 38 حكم إعدام في شهر أكتوبر 2023 ويبقي على عقوبات السجن لثلاثين متهما ويبرئ 26 شخصا، لتتدخل المحكمة العليا في 28 نونبر 2024 بنقض الحكم والأمر بإعادة المحاكمة لاثنين وخمسين شخصا يتواجدون حاليا رهن الاحتجاز.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك