من صفحات حرب الاستنزاف التي تلت هزيمة يونيو 1967، برزت معارك جوية قليلة التوثيق ظل كثير من تفاصيلها حبيس ذاكرة أبطالها لسنوات طويلة.
معركة اعتراض جوية جرت في سماء جنوب سيناء تكشف جانبًا من تلك البطولات التي خاضها طيارو القوات الجوية المصرية في ظروف شديدة الصعوبة، عندما تصدت أربع مقاتلات مصرية فقط لمحاولة إسرائيلية لاحتلال مدينة شرم الشيخ بعملية إنزال جوي لقوات المظلات.
تفاصيل الواقعة تعود إلى الأيام الأولى التي أعقبت نكسة 1967، حين وصلت إلى الرائد الطيار سعيد شلش قائد سرب طائرات «ميج-19» رسالة شفرة بالغة الخطورة.
مضمون الرسالة كشف عن خطة إسرائيلية لتنفيذ عملية إنزال جوي لقوات مظلات في مدينة شرم الشيخ، التي كانت قد أصبحت خالية تقريباً من القوات المصرية بعد الانسحاب من سيناء، وذلك في محاولة لفرض أمر واقع سريع يحقق مكسباً سياسياً وعسكرياً لإسرائيل.
الرسالة كانت واضحة ومقتضبة، لكن دلالاتها خطيرة، صدرت الأوامر فوراً بإحباط العملية قبل تنفيذها، لم تكن الإمكانات المتاحة كبيرة، فبعد الضربة الجوية الإسرائيلية صباح الخامس من يونيو تعرضت معظم القواعد الجوية المصرية للتدمير، وأصبحت الطائرات الصالحة للطيران محدودة، بينما كان عدد الطيارين أكبر من عدد الطائرات المتبقية.
وسط تلك الظروف، اختار الرائد سعيد شلش ثلاثة من أكفأ طياري السرب لتنفيذ المهمة: الرائد فتحي سليم، والرائد مصطفى درويش، والملازم أول عبد الرحمن صدقي.
جرى شرح خطة الاعتراض بسرعة داخل مطار القاهرة الدولي الذي انتقل إليه ما تبقى من السرب، وتقرر أن يقود شلش الهجوم بنفسه.
بعد دقائق من الإيجاز السريع أقلعت الطائرات الأربع متجهة جنوباً نحو سيناء لاعتراض الطائرات الإسرائيلية قبل وصولها إلى منطقة الإنزال فوق شرم الشيخ.
اختار قائد التشكيل مساراً أقصر عبر خليج السويس والبحر الأحمر للحفاظ على أكبر قدر ممكن من الوقود من أجل الاشتباك المتوقع.
في ذلك الوقت كانت إسرائيل قد أطلقت بالفعل العملية الجوية.
فقد أقلعت طائرتا نقل عسكري من طراز «نور أطلس» الفرنسيتان محملتين بالمظليين، ترافقهما قوة حماية كبيرة من طائرات «ميراج» التابعة للسرب 101، أحد نخبة أسراب الطيران المقاتل في سلاح الجو الإسرائيلي.
كانت الثقة كبيرة لدى الجانب الإسرائيلي بأن السماء خالية من أي تهديد مصري، وأن القوات الجوية المصرية فقدت قدرتها على الاعتراض.
لكن تلك التقديرات لم تكن دقيقة تماماً مع اقتراب التشكيل المصري من منطقة الاشتباك، بدأت الطائرات المصرية في البحث عن العدو بالعين المجردة، بعد أن كانت معظم الرادارات وشبكات الاتصال قد تضررت في الضربة الجوية الأولى للحرب.
وبينما كانت الطائرات تعبر منطقة رأس سدر، رصد الطيارون المصريون أربع طائرات ميراج إسرائيلية كانت تهاجم خزانات الوقود في المنطقة.
سرعان ما تحولت المواجهة إلى اشتباك مباشر.
أصدر الرائد سعيد شلش أوامره للرائد فتحي سليم بالاستمرار في مساره نحو الهدف، بينما اندفع هو ومعه مصطفى درويش للاشتباك مع طائرات الميراج التي حاولت اعتراض التشكيل المصري.
تمكن الطياران المصريان من دخول الاشتباك خلف طائرتين ميراج، وأصيبت إحداهما إصابة مباشرة أدت إلى انفجارها وقفز قائدها بالمظلة.
لكن الاشتباك لم يستمر طويلاً، إذ ردت الطائرات الإسرائيلية بسرعة، وأطلقت صواريخها على الطائرتين المصريتين، ما أدى إلى إصابة طائرتي شلش ودرويش وإجبارهما على القفز بالمظلات.
في تلك اللحظة الحاسمة واصل الرائد فتحي سليم والملازم أول عبد الرحمن صدقي التقدم نحو الهدف.
وبعد دقائق رصد الطياران المصريان طائرتي النقل «نور أطلس» اللتين كانتا تحملان المظليين، وعلى مسافة بعيدة نسبياً ظهرت قوة الحماية المكونة من نحو 12 طائرة ميراج.
استغل الطياران عنصر المفاجأة واقتربا بسرعة من طائرتي النقل قبل أن تدركهما المقاتلات المرافقة.
ومع فتح النيران من مدافع طائرات «ميج-19»، أصيبت طائرتا النقل إصابات مباشرة أدت إلى اشتعالهما وسقوطهما فوق جبال سيناء قبل تنفيذ عملية الإنزال.
غير أن إسقاط طائرتي النقل كان بداية معركة جوية شرسة، إذ اندفعت طائرات الميراج الاثنتا عشرة للاشتباك مع المقاتلتين المصريتين.
وتحولت السماء إلى ساحة قتال مفتوح، تبادل فيها الطرفان الصواريخ وطلقات المدافع، في معركة غير متكافئة من حيث العدد.
رغم التفوق العددي الكبير للطائرات الإسرائيلية، نجحت إحدى المقاتلتين المصريتين في إصابة طائرة ميراج أخرى خلال الاشتباك، قبل أن تبدأ مشكلة الوقود في الظهور لدى الطرفين بسبب طول المعركة وبعد المسافة عن القواعد الجوية.
قرر الطياران المصريان الانفصال عن الاشتباك والعودة على ارتفاع منخفض لتجنب الملاحقة.
وخلال طريق العودة أبلغ الرائد فتحي سليم عن تسرب كبير في الوقود نتيجة إصابة في جناح الطائرة.
كان أقرب مطار يمكن الهبوط فيه هو مطار فايد العسكري.
رفض الطيار المصري القفز بالمظلة رغم تدهور حالة الطائرة، وأصر على محاولة إنقاذها بالهبوط الاضطراري، لكن المحرك توقف قبل الوصول الكامل إلى الممر، فحاول الهبوط بدون قوة دفع، وبسبب تلف عجلات الهبوط وانفجار أحد الإطارات انحرفت الطائرة عن الممر واصطدمت بطائرة أخرى متوقفة، ليستشهد الرائد فتحي سليم بعد محاولة بطولية لإنقاذ طائرته.
تلك المعركة الجوية، التي جرت في ظروف صعبة للغاية، نجحت في إفشال عملية الإنزال الجوي الإسرائيلية فوق شرم الشيخ، وأسفرت عن إسقاط طائرتي نقل عسكريتين وعدة طائرات مقاتلة، مقابل خسائر في صفوف الطيارين المصريين الذين خاضوا الاشتباك في مواجهة قوة تفوقهم عدداً وتسليحاً.
تبقى هذه الواقعة واحدة من المعارك الجوية التي تعكس روح التحدي لدى طياري القوات الجوية المصرية في أعقاب هزيمة 1967، حين بدأت حرب الاستنزاف كمرحلة لإعادة بناء القوة العسكرية واستعادة الثقة، وكتبت خلالها العديد من البطولات التي لم تحظ جميعها بما تستحقه من توثيق في صفحات التاريخ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك