بعد أشهر من المحادثات والمفاوضات المتقطعة بين الولايات المتحدة وإيران، الهادفة للتوصل إلى اتفاق نووي شامل يرضي إسرائيل وواشنطن، التي تعهدت عبر كل إداراتها المتعاقبة بالوقوف في وجه طهران ومنعها من الوصول إلى عتبة التمكن من امتلاك وإنتاج سلاح نووي، وبعد انقضاء مهلة الـ60 يومًا التي حددها الرئيس ترمب للنظام الإيراني للتوصل إلى اتفاق نووي جديد، هاجمت إسرائيل والولايات المتحدة إيران في حزيران من العام الماضي، وقامتا بقصف أهداف استراتيجية عدة وقواعد للدفاع الجوي، ومواقع للأبحاث الصاروخية، ومنشآت نووية تحت الأرض، في حرب دامت 12 يومًا فقط.
ومع ذلك، تشير المعطيات السياسية والميدانية إلى أن الأمر هذه المرة يختلف اختلافًا كبيرًا في حجم ونوعية الأهداف القريبة والبعيدة، وربما أيضًا في مدة الحرب وأخطارها، ومفترقاتها، وارتداداتها الواسعة، وتداعياتها المباشرة وغير المباشرة على دول المنطقة، بل وعلى العالم بأسره.
بعد رفض طهران القبول بشروط الرئيس ترمب للتوصل إلى اتفاق مرضٍ معها، والذي يشمل التنازل الكامل عن حقها في تخصيب اليورانيوم، وتفكيك برنامجها النووي، والقبول بمبدأ صفر تخصيب، وتسليمها قرابة 440 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، ووضع حد لبرنامجها الصاروخي البالستي، وبعد كثير من التصريحات التصعيدية والتهديدات اليومية التي وجهها الرئيس دونالد ترمب للنظام الإيراني، بدأت الحرب أخيرًا، وبدأت معها ما سُمّيت بعملية (الغضب الملحمي الأميركي، زئير الأسد الإسرائيلي)، حيث قامت الولايات المتحدة، بمشاركة وتنسيق مع حليفتها إسرائيل، بتنفيذ تهديداتها بضرب إيران، وشنت عليها حربًا واسعة النطاق بعد أسابيع عدة من التحضيرات القتالية والتحشدات العسكرية الجوية والبحرية التدميرية التي هيأتها في محيط المنطقة وبحارها.
حدّد ترمب في بيان مقتضب نشره عبر منصة تروث سوشيال عشية الهجوم أربعة أهداف للحرب الأميركية، تمثلت بـ:
منع إيران من امتلاك أي أسلحة نووية بشكل مطلق.
تدمير ترسانتها الصاروخية ومواقع ومصانع إنتاجها.
إضعاف شبكة وكلائها في الإقليم (حزب الله اللبناني، الحشد الشعبي في العراق، الحوثيون في اليمن).
القضاء على القدرات الإيرانية البحرية المتنامية.
صحيح أن الرئيس ترمب وضع أهداف الحرب الأربع، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى هدف سياسي أوسع، يتمثل في تهيئة الظروف الميدانية للدفع نحو تغيير النظام الإيراني وقلبه من الداخل، وذلك عبر استغلال حالة التذمر الشعبي الإيراني من الأوضاع المعيشية والاقتصادية المتردية، والتي تعد العقوبات الأميركية المفروضة على طهران أحد أبرز أسبابها.
ودعا الرئيس الأميركي الشعب الإيراني إلى استغلال هذه الفرصة، والتي وصفها بأنها قد لا تتكرر لأجيال قادمة، للانقلاب على حكم الملالي وتولي زمام الأمور في بلادهم، خاصة بعد أن أسفرت الضربة الاستخباراتية الدقيقة عن اغتيال المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، وعدد كبير من القيادات العسكرية والأمنية من الصف الأول.
يشير ذلك إلى أن الهدف النهائي للعملية، وفق الرؤية الأميركية والإسرائيلية الجديدة، لا ينحصر بتدمير القدرات النووية والصاروخية فقط، بل يشمل محاولات إسقاط النظام الإيراني والعمل على إعادة هندسة الواقع الجيوسياسي والتحالفات والتموضعات في المنطقة، بحيث يصبح ما قبل الحرب مختلفًا كثيرًا عما سيكون بعدها.
وتشير العديد من الدراسات والتوقعات إلى أن سقوط مركز ثقل إقليمي بحجم إيران قد يطلق سلسلة تفاعلات سياسية وأمنية متلاحقة، من شأنها إعادة رسم موازين القوى في المنطقة لصالح إسرائيل، وفتح الباب أمام مشكلات سياسية واضطرابات ميدانية تتجاوز حدود الدولة الإيرانية، لتطول الاستقرار الإقليمي بكامله، وخاصة محيطنا العربي.
تسعى إيران، من خلال استمرارية هذه الحرب، إلى سياسة خلط الأوراق عبر استهداف منشآت مدنية عربية، وليس فقط قواعد عسكرية أو مواقع أميركية.
ويعكس هذا حرص الاستراتيجية الإيرانية على توسيع مسارح العمليات والتأكيد على حجم المخاطر والتهديدات التي تواجه المنطقة برمتها.
تجسد ذلك بعد الضربة العنيفة الأولى، التي ردت إيران عليها بهجمات عنيفة استخدمت فيها الصواريخ الباليستية، والفرط صوتية، والطائرات المسيرة، باتجاه الداخل الإسرائيلي، وقواعد ومصالح أميركية، ومنشآت اقتصادية ومدنية في دول الخليج العربي (السعودية، قطر، البحرين، الكويت، عمان، الإمارات)، والأردن وقبرص، في محاولة لإشعال المنطقة وزجها في أتون حرب شاملة بهدف رفع الكلفة على الولايات المتحدة وحلفائها، وإلحاق أكبر ضرر ممكن بالاقتصاد العالمي عبر إغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي والممرات البحرية، وإجبار إدارة ترمب على إعادة النظر في الحرب.
لا شك أن سوريا، المثقلة أساسًا بما يفوق طاقتها وقدراتها، غير قادرة عمليًا على تحمّل المزيد من الأعباء.
لذلك، تجد دمشق نفسها الأكثر عرضة لتأثر انعكاسات الحرب وتداعياتها، مهما حاولت جاهدة أن تنأى بنفسها عنها.
هناك توجسات لدى الدولة السورية من أن تتوسع دائرة آثار الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، خاصة بعد دخول حزب الله اللبناني في المواجهات وزج لبنان وشعبه في الصراع، لتشمل بشكل أو بآخر المخاوف على الوضع السوري، الذي لا يزال يعاني هشاشة سياسية وأمنية واقتصادية ومعيشية نتيجة لنتائج الحرب الممتدة لسنوات طويلة.
حتى الآن، اقتصرت آثار الحرب على سوريا على وقوع بعض الخسائر المادية وسقوط جرحى نتيجة للمواجهات العابرة في أجوائها بسبب اعتراض إسرائيل للصواريخ والمسيرات الإيرانية، لكن الشاغل الأكبر للقيادة السورية الآن هو ما قد تخلفه الحرب من تداعيات على الأوضاع الاقتصادية، عبر ارتفاع أسعار المنتجات النفطية والمواد الغذائية عمومًا، وانعكاس ذلك على السوق السورية التي تستورد معظم مشتقاتها النفطية وكثيرًا من المواد الغذائية والتموينية المصنعة.
هذا سيؤدي إلى زيادة الأعباء المعيشية على الغالبية الساحقة من الشعب السوري، إضافة إلى تراجع كبير في إمدادات الطاقة.
ومع استمرار الحرب وجنوح الأطراف، وخاصة إيران، لتوسيع دائرة المواجهة، قد تظهر تدريجيًا تهديدات حقيقية متعددة الأشكال لسوريا ودول المنطقة.
خرجت الحرب الأميركية–الإسرائيلية–الإيرانية عن الطابع التقليدي للمواجهات بالوكالة، لتأخذ شكل المواجهة المباشرة.
إنها حرب مختلفة وغير تقليدية، ومن المؤكد أن لها تداعيات كبيرة على دول وشعوب المنطقة، كونها صراعًا على مستقبل الأدوار الإقليمية والدولية فيها.
وستسعى إسرائيل من خلال هذه الحرب إلى تكريس دورها كقوة مهيمنة لا تُردع، خاصة في حال نجاح تل أبيب في هزيمة إيران وتفكيكها، لتصبح القوة الأولى وصاحبة اليد الأطول في المنطقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك