تلقيت في الفترة الأخيرة عددا من الاتصالات والاستفسارات عن بند “القوة القاهرة” في العقود، خصوصا في العقود المرتبطة بالعقارات التجارية.
وقد شجعني ذلك على كتابة هذا الموضوع بشكل مبسط ليكون مرجعا للمهتمين، خصوصا في ظل الظروف الجيوسياسية التي تمر بها المنطقة والتي قد تفرض تحديات غير متوقعة على الأطراف المتعاقدة.
وعلى رغم ترددي في البداية حتى لا أساهم في نشر القلق، إلا أن الواقع مطمئن ولله الحمد؛ فالأسواق مفتوحة والحركة مستمرة والشوارع طبيعية، ونحن محظوظون بوجود قيادة حكيمة ومتابعة شخصية من سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، يزور ويتفقد كما شهدناه في التجارب السابقة مع فريق البحرين.
بالمختصر، القوة القاهرة هي أداة قانونية يمكن اللجوء إليها عندما يصبح تنفيذ الالتزام مستحيلا بسبب حدث غير متوقع وخارج عن السيطرة لا يمكن دفعه أو التحكم به.
وفي هذه الحالة يقوم الطرف المتضرر بإشعار الطرف الآخر بعدم قدرته على تنفيذ الالتزام بسبب هذه الظروف الاستثنائية.
ومع ذلك، فإن تطبيقه في الواقع يختلف بحسب صياغة العقد والظروف المحيطة ومدة استمرارية الظرف.
لذلك فإن معرفة كيفية التعامل تحتاج إلى قراءة قانونية وفنية من مختص، مع الأخذ في الاعتبار أن العقود التي لم ينص فيها على هذه البنود يكون المرجع فيها القانون المدني البحريني الذي ينظم هذه المسائل بشكل عام.
من خلال تجربتي في تقديم الاستشارات والوساطة وحل المنازعات خلال فترة جائحة كورونا، مرت عليّ حالات عديدة كان فيها خلط بين القوة القاهرة التي يستحيل معها تنفيذ الالتزام، وبين نظرية الظروف الطارئة التي يكون فيها التنفيذ ممكنا لكنه مرهق ويترتب عليه خسارة فادحة للطرف الملتزم.
ففي تلك المرحلة توقفت القطاعات وأُغلقت المحال التجارية وتعرض الجميع لضغوط مالية ونقص السيولة وتراجع المبيعات.
وكثير من المستأجرين لم يتمكنوا من دفع رواتب الموظفين، فما بالكم بالتزامات الإيجار؟ هذا الواقع أدى إلى نزاعات بين الملاك والمستأجرين، وبرزت مطالبات متعددة تراوحت بين فسخ العقد أو تمديد المهلة أو إلغاء بند التعويض أو تخفيضه.
الملاحظ في تلك الفترة أن بعض الأطراف اندفعوا سريعا نحو المسار القضائي بتشجيع من بعض المحامين، على الرغم من أن هذا الخيار قد لا يكون مجديا في أوقات الأزمات؛ فالتقاضي بطبيعته يستغرق وقتا طويلا، ويترتب عليه تكاليف إضافية مثل الرسوم القضائية وأتعاب المحاماة وتكلفة الخبير، وغالبا ما تنتهي بأحكام مديونية يصعب تحصيلها أو تبقى عالقة في التنفيذ؛ ما يزيد من الخسائر على الطرفين، بل قد يخسر المؤجر فرصة إعادة تأجير العقار خلال فترة النزاع.
لهذا أرى أن الحل الأقرب للحكمة يكون غالبا بالحوار وفهم ظروف الطرف الآخر ومدى قدرته الفعلية على الالتزام، مع إبداء قدر من المرونة في فتح باب التفاهم بدلا من التصعيد.
كثير من النزاعات التي تعاملت معها كان يمكن حلها بسهولة لو تم التفاوض بسقف مطالب معقول؛ لأن المشكلة غالبا تبدأ عند التمسك بشروط تعجيزية.
ومن وجهة نظري، فإن إدخال طرف محايد للقيام بدور الوسيط بين الطرفين قد يكون من أفضل الحلول العملية؛ فالوسيط المهني يستطيع تهدئة المواقف وطرح حلول متوازنة تساعد على الوصول إلى نقطة مشتركة تحفظ قدر الإمكان مصالح الجميع، خصوصا في العلاقات التعاقدية طويلة الأمد مثل عقود الإيجار التجاري.
في النهاية، تبقى بنود العقد شريعة المتعاقدين لكنها ليست الحل الأول في الأزمات؛ فالحكمة تكمن في تحقيق التوازن بين النص القانوني والواقع الاقتصادي؛ لأن الهدف الأساسي من العقود ليس كسب النزاعات بقدر ما هو تنظيم العلاقة بين الأطراف واستمرار النشاط بأقل قدر من الخسائر.
وعلى رغم ما قد يحيط بالظروف الطارئة من قلق، فإن الواقع مطمئن ولله الحمد؛ فعجلة الحياة مستمرة بفضل من الله ثم بالقيادة الحكيمة التي لم ولن تبخل علينا كما عودتنا دائما في تذليل العقبات، والتي وفرت لنا أعينا ساهرة تحمي الوطن، ورجالا بواسل مرابطين من أجل أمنه واستقراره.
وحفظ الله البلاد والعباد من مكر الأعداء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك