في الأفق السياسي لإسرائيل، حيث تختزل السياسة في أصابع الليكود، تقف الحروب مرآة تعكس الوجه الحقيقي للحزب؛ لا الوجه الذي يعلنه أمام العالم، بل الوجه الذي يختبئ خلف شعارات الأمن القومي والدفاع عن الدولة.
فالحروب ليست مجرد صراعات على الأرض، بل أدوات لتشكيل السلطة وإعادة ترتيب الأجندة السياسية وفق مصالح نخبة لا تعرف إلا لغة القوة.
كل حرب كانت اختبارا داخليا للحزب: اختبارا للسلطة، وللولاءات، وللقدرة على تحويل الأزمة إلى فعل سياسي؛ فالحروب لم تقتصر على الجغرافيا أو الأرض، بل امتدت لتشكل الميتافيزيقا الداخلية لليكود، حيث يصبح الخوف والتهديد الخارجي أداتين لتثبيت الهياكل الداخلية للصراع على النفوذ.
هنا، السياسة الداخلية ليست صراعا على الأفكار، بل صراع على إعادة إنتاج السلطة الذاتية للحزب عبر آليات الحرب.
في الواقع، منحت الحروب الحزب ذريعة دائمة لفرض سيطرته على القرارات السياسية، ونصبت كمينا دائما لمن يعارضه في البرلمان أو حتى داخل صفوفه.
من حرب 1967 إلى النزاعات الإقليمية الحديثة مع غزة ولبنان واليمن وسوريا، وصولا إلى التوتر مع إيران اليوم، لم يكن الليكود مجرد حزب سياسي، بل آلة لصناعة الخوف، وسلطة لإعادة مراجعة موازين القوى داخليا.
كل هجوم، وكل صاروخ، وكل عملية عسكرية، كان وقودا لحشد الدعم الداخلي، وتحويل الخلافات الحزبية إلى تأييد شعبي قائم على أساس الوطنية.
في الواقع، منحت الحروب الحزب ذريعة دائمة لفرض سيطرته على القرارات السياسية، ونصبت كمينا دائما لمن يعارضه في البرلمان أو حتى داخل صفوفه.
في هذا المسرح المشتعل، يبرز نتنياهو كظل يطغى على الحزب، كزعيم يمتلك القدرة على تحويل كل حرب إلى أداة للهيمنة الداخلية.
ليست الحروب بالنسبة له مجرد تحديات عسكرية، بل فرص لإعادة كتابة قواعد اللعبة الداخلية: خصوم يقهرون، ولاءات تختبر، وهياكل السلطة يعاد صياغتها.
نتنياهو ليس مجرد سياسي، بل آلة سياسية تصنع الواقع من نار الصراع والتهديد.
لم تعد السياسة الداخلية لحزب الليكود تعتمد على الأفكار أو البرامج الاقتصادية أو الاجتماعية، بل على كيفية إدارة الحرب وتحويلها إلى أداة تبرير للقرارات الصعبة، وأحيانا لتصفية المنافسين السياسيين.
لقد شكلت الحروب الليكود كما لم يشكله أي خطاب انتخابي أو شعار حزبي.
وهكذا، وتحت تأثير النزاعات وعباءة نتنياهو، أصبح الحزب يتنفس الصراع ويعيش على الفوضى المنظمة ويعيد إنتاج ذاته باستمرار؛ فالسياسة لديه امتداد للصراع، والزعيم مجرد ضابط في آلة الحرب الداخلية والخارجية.
شكلت الحروب الاختبارات الحقيقية للقيادات، وفرضت منطق القوة معيارا للحكم والسيطرة، وجعلت من الأزمات وسيلة لإعادة إنتاج الهيمنة الداخلية.
هذه الصراعات صنعت منه حزبا لا يتعلم من التاريخ، بل يكرر الأخطاء، كل مرة بشكل أكبر وأكثر صرامة، مع شعور مطلق بالحق في التحكم بمصائر البشر.
لم تشكل الحروب سياساته الخارجية فحسب، بل صاغت روحه الداخلية، وخلقت قيادة لا تعرف إلا لغة القوة.
في النهاية، يمكن القول إن الحروب ونتنياهو معا أعادا تشكيل الليكود من الداخل.
لذلك، لا يمكن فهم السياسة الداخلية لحزب الليكود بمعزل عن الحروب التي شهدتها إسرائيل؛ فقد أثبتت التجارب أن النزاعات ليست مجرد أحداث عابرة، بل أدوات لصياغة الولاءات وإعادة ترتيب النفوذ وضبط مسار صنع القرار داخل الحزب.
لقد شكلت الحروب الاختبارات الحقيقية للقيادات، وفرضت منطق القوة معيارا للحكم والسيطرة، وجعلت من الأزمات وسيلة لإعادة إنتاج الهيمنة الداخلية.
وبناء على ذلك، يظهر أن أي تحليل للسياسة الإسرائيلية لا بد أن يضع في الاعتبار العلاقة العضوية بين الحروب والتوازنات الداخلية لليكود؛ إذ إن كل مواجهة خارجية تعكس ديناميات معقدة داخل الحزب، وتعيد رسم خريطة القوة بما يضمن استمرارية هيمنة قيادته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك