في وقت يعاني فيه العالم من تخمة المعلومات وتلاحق الأزمات، أطلق نخبة من قادة الصحافة العالمية، خلال المحاضرة التذكارية السنوية لمعهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أكسفورد، تحذيرا شديد اللهجة من تنامي ظاهرة العزوف الإرادي عن الأخبار، أو ما يعرف بتجنب الأخبار News Avoidance.
ويذكر أن تجنب الأخبار هي ظاهرة ناتجة عن إرهاق الأخبار (News Fatigue) هي ظاهرة توصف بأنها إرهاق نفسي من الكمية الزائدة من المعلومات، ولكن -بشكل أكثر تحديدا- تشير الظاهرة إلى الإرهاق الناتج عن الضخ المتواصل للمحتوى من وسائل الإعلام ومن منصات وسائل التواصل الاجتماعي.
وأكد المشاركون في الندوة أن محاولة الجمهور الهروب من الواقع المرير عبر إغلاق الشاشات لا يمحو الأزمات، بل يمنح القوى الاستبدادية فرصة ذهبية للعمل بعيداً عن الرقابة الشعبية.
قدمت نوا لانداو، نائبة رئيس تحرير صحيفة" هآرتس" (Haaretz) تحليلا صادما لطبيعة العلاقة بين الجمهور والخبر في ظل الصراعات المستمرة.
وأكدت لانداو بعبارة حاسمة وصريحة أن" الواقع لا يتوقف لمجرد أنك تعبت منه.
إذا اخترت الذهاب للنوم أو الانغماس في مشاهدة منصات الترفيه مثل نتفليكس، فالأخبار لن تختفي بل ستصبح أسوأ وأنت غائب".
وأشارت إلى أن" الإرهاق الإخباري" تحول إلى سلوك جماعي يسعى فيه الناس لحماية صحتهم الذهنية من كوابيس الواقع، مثل مآسي الحروب في غزة أو غرق المهاجرين في المتوسط، لكن هذا الهروب يؤدي في النهاية إلى" تطبيع الفظائع" وفقدان القدرة على التأثير أو التغيير، مما يجعل الخبر عبئاً ثقيلا يفضل القارئ التخلص منه بدلا من التفاعل معه.
من جانبه، شدد نيك تاترسال، مدير التحرير العالمي في وكالة رويترز، على أن مواجهة هذا الانصراف الجماهيري لا تكمن في ملاحقة" الإثارة" أو العناوين البراقة، بل في العودة إلى الجوهر المهني عبر الصحافة القائمة على الأدلة الدامغة Evidence-based reporting.
ويرى تاترسال أن على غرف الأخبار الحديثة أن تتبنى إستراتيجية" أنسنة" القصص الإخبارية؛ أي تحويل الأرقام الجافة والإحصائيات الصماء إلى حكايات تمس حياة الناس وتجيب على تساؤلاتهم الوجودية.
وأكد أن دور الصحافة اليوم هو أن تكون بوصلة وسط ضجيج المعلومات، تساعد القارئ على فهم" لماذا يحدث هذا؟ " بدلا من مجرد إخباره بما حدث، لتقليل شعوره بالعجز والارتباك الذي يدفع للعزوف.
وفي ختام الندوة قدم الصحفي السلفادوري كارلوس دادا، مؤسس ورئيس تحرير موقع" إل فارو" El Faro الاستقصائي، رؤية مغايرة تضع الصحفي في مواجهة مباشرة مع الأنظمة الشعبوية.
ووصف دادا العمل الصحفي اليوم بأنه" فعل مقاومة" ضد السلطات التي تستخدم اللغة" كسلاح" لتشويه الحقيقة وتصوير الصحفيين المستقلين كأعداء للدولة.
وأوضح دادا أن التحدي الأكبر ليس في إيصال المعلومة فحسب، بل في اختراق جدار انعدام الثقة الذي تبنيه الأنظمة بين الجمهور والإعلام المستقل.
وحذر من أن استسلام الجمهور للعزوف هو انتصار مباشر لتلك الأنظمة، لأن غياب المشاهد الواعي يعني غياب المحاسبة، مؤكدا أن الاستمرار في قول الحقيقة رغم تعب الجمهور ورغم ملاحقة السلطات يظل هو الضمانة الوحيدة لمنع الانهيار الديمقراطي الشامل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك