في" نبض رمضان" نرصد كل مساء ظاهرة تكشف كيف يتغيّر إيقاع هذا الشهر في حياتنا.
إذا كان الإفطار يُعدّ اللحظة الأكثر حضورًا في يوم الصائم، فإن السحور يظل اللحظة التي تُعيد ترتيب إيقاع الليل بأكمله.
فهذه الوجبة التي تُتناول قبيل الفجر لا تحدد فقط ما سيأكله الناس؛ بل ترسم أيضًا ملامح ليلهم: متى يخلدون للنوم، ومتى ينهضون استعدادًا ليوم جديد من الصيام.
وفي كثير من المدن العربية، لا يبدأ الهدوء الحقيقي لليل إلا بعد انتهاء السحور.
عندها تخفّ حركة الشوارع تدريجيًا، وتغلق المطاعم والمقاهي أبوابها واحدًا تلو الآخر، بينما يقترب أذان الفجر معلنًا نهاية السّهر الرمضاني.
على خلاف مائدة الإفطار الغنية والمتنوعة، يميل كثيرون إلى جعل السحور وجبة خفيفة ومتوازنة.
فالغرض منها ليس الإكثار من الطعام، بل توفير قدر من الطاقة يساعد الجسم على تحمّل ساعات الصيام الطويلة.
ولهذا تنتشر على موائد السحور أطباق بسيطة ومألوفة في معظم البيوت العربية، مثل:
كما أن كثيرًا من الناس يحرصون على اختيار أطعمة لا تسبب العطش خلال النهار، حفاظًا على راحة الصائم طوال ساعات الصيام.
ومع تغير أنماط الحياة في المدن العربية، تحوّل السحور في السنوات الأخيرة إلى مناسبة اجتماعية بامتياز.
ففي مدن مثل: القاهرة، وبيروت، ودبي تبقى بعض المطاعم والمقاهي مفتوحة حتى ما قبل الفجر، مقدّمة قوائم خاصة بوجبات السحور.
وهكذا لا يقتصر السحور على كونه وجبة تُؤكل في المنزل، بل يتحول أحيانًا إلى لقاء يجمع الأصدقاء أو أفراد العائلة.
وتبرز اللقاءات خصوصًا خلال عطلات نهاية الأسبوع، حيث تمتد السهرات الرمضانية حتى ساعات الفجر الأولى.
من المسحّراتي إلى المنبّه.
في الماضي، كان للمسحّراتي حضور مألوف في أحياء كثير من المدن العربية.
حيث كان يجوب الشوارع قبيل الفجر، يطرق بطبلته وينادي الناس ليستيقظوا لتناول السحور.
أما اليوم، تغيّرت الوسائل، وحلّت الهواتف الذكية والمنبّهات محلّ ذلك الصوت التقليدي في معظم المدن.
ومع كل ذلك بقيت الفكرة ذاتها: الاستيقاظ قبل الفجر بقليل للحفاظ على هذا التقليد الرمضاني المتجذر.
ورغم التحولات التي طرأت على العادات الرمضانية، ما زال للسحور طابعه الخاص.
ففي تلك الدقائق التي تسبق الفجر، تبدو المدن أكثر هدوءًا، والبيوت أكثر سكينة، وكأن الليل الرمضاني يودّع ساعاته الأخيرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك