إن تعيين «مجلس خبراء القيادة» في «الجمهورية الإسلامية الإيرانية» لنجل المرشد الراحل «آية الله العظمى علي خامنئي» خلفاً لوالده، هو بلا شكّ تحدٍّ للرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أعرب بصفاقته المعهودة عن عزمه على المشاركة في تعيين الزعيم الإيراني القادم، كما أعرب عن رفضه المسبق لمجتبى خامنئي.
هذا أمرٌ بالغ الوضوح بالطبع ويشكّل «خيبة أمل» كبرى لترامب، أفصح عنها هو نفسه تعليقاً على التعيين، إذ كان ولا يزال يتوخّى من العدوان الذي شنّه على إيران بمشاركة حليفه بنيامين نتنياهو، أن يؤدّي إلى فوز من يسمّون «المعتدلين» و«الإصلاحيين» بالسلطة وإلى تغييرهم نهج النظام الإيراني بما يلبّي مشيئة واشنطن على غرار ما حصل في فنزويلا (أنظر «ما هي غاية ترامب في إيران؟ »، القدس العربي، 2/3/2026).
بيد أن تعيين مجتبى خامنئي خلفاً لوالده، وهو الذي لا تتعدّى منزلته الفقهية رتبة «حجة الله» (بدأت أجهزة النظام الإعلامية تطلق عليه رتبة «آية الله» قبل الإعلان الرسمي عن تعيينه، وهو ما شكّل دليلاً على هذا التعيين)، إنما هو أيضاً في الحقيقة تحدّ لغالبية الشعب الإيراني التي لم تعد تتحمّل استمرار النظام الثيوقراطي.
وقد أعربت الغالبية الشعبية قبل شهرين عن عميق سخطها من خلال أعظم انتفاضة شهدتها إيران منذ الثورة التي أطاحت بسلالة آل بهلوي في عام 1979، وقد دفعت ثمناً باهظاً لقاء جسارتها: ما بين عشرة آلاف وثلاثين ألفاً من القتلى، ومئات آلاف الجرحى، وما يزيد عن خمسين ألفاً من المعتقلين.
ولمّا كان بين هتافات الانتفاضة، كما في الانتفاضة التي سبقتها خلال العقد الأخير، «الموت للدكتاتور» و«الموت لخامنئي»، فقد تعالت سريعاً في فضاء طهران خلال الليل هتافات «الموت لمجتبى».
هذا وقد أدرك الجميع أن تعيين مجتبى خامنئي «مرشداً أعلى» للجمهورية الإيرانية، بما يجعل إيران في مصفّ «الجملوكية» على منوال نظام آل الأسد السوري الذي هبّت للذود عنه، هو في المقام الأول تكريسٌ لتحكّم «فيلق حرس الثورة الإسلامية» بمصير البلاد.
وقد بات الفيلق المذكور العمود الفقري للنظام الذي فقد تدريجياً من زخم ثورة 1979، بما ترافق مع تحوّل «الحرس الثوري» إلى مجمّع عسكري-اقتصادي ضخم، ينعم بامتيازات جمّة تموّلها ثروة إيران النفطية، وتزيد من شراسته في الدفاع عن استئثاره بالسلطة.
والحال أن نجل علي خامنئي كان رجل الظلّ في الحكم الإيراني بتعاون وثيق مع «الحرس الثوري»، وقد تولّى أيضاً قيادة «منظمة حشد المستضعفين» (تسمية أخرى من جملة تسميات باتت مفارقات على غرار تسميات جورج أورويل في روايته الشهيرة 1984)، المعروفة باسم «بسيج»، وهي ذراع «الحرس الثوري» المدنية، تتولّى مهام قمعية في المجتمع تشبه جزئياً ما كانت تقوم به «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (المطاوعة) في المملكة السعودية قبل أن يقلّم وليّ العهد، الأمير محمد بن سلمان، أظافرها.
من حيث الشكل الرسمي، فإن «مجلس خبراء القيادة» الذي اختار مجتبى خامنئي «مرشداً أعلى» خلفاً لوالده، هو مجلسٌ منتخب بالاقتراع الشعبي العام.
بيد أنه يُشترط بالمرشّحين إلى تلك الانتخابات أن يحوزوا رضى «مجلس صيانة الدستور» الذي يعيّن «المرشد الأعلى» نصف أعضائه الإثني عشر، كما يُشرف بالطبع على «انتخاب» النصف الآخر من قِبل «مجلس الشورى الإسلامي» (البرلمان الإيراني).
والحقيقة أن انعدام حرية الترشّح وخضوعه لمشيئة النظام تجعل من شتى الانتخابات في إيران مرادفاً للانتخابات التي كانت تجري في سوريا آل الأسد، مع فسح مجال أكبر أمام تنافس بين أرباب النظام أنفسهم، مع حظر كافة المعارضين للنظام بعينه أو لرأس هرمه.
وقد ازدادت وطأة النظام على الشعب الإيراني مع الزمن، وهو يفرض على الشعب تضحيات لا يبتغيها في مواجهة مع الولايات المتحدة حول الوقود النووي، في بلد ينعم بثروة عظيمة من المحروقات.
هذا وناهيك من أنه كان أحرى به من حيث المصلحة الشعبية أن يتعاون مع الصين على تطوير الطاقة المتجددة، من شمسية وسواها، من أن يتعاون مع روسيا، بصورة رئيسية، على التزوّد بالطاقة النووية.
كما أن شعب إيران يدفع ثمن سعي النظام وراء توسّع نفوذه الإقليمي بالاستناد إلى العامل الطائفي في المقام الأول، وإلى العداء العربي لإسرائيل في المقام الثاني، بحيث إنه نجح في تكريه قسم كبير من الشعب لتلك السياسة وهو ما ينجلي في بعض الهتافات التي تطلقها الهبّات الشعبية.
أما اليوم وقد بلغت أوجّها المواجهة بين إيران والولايات المتحدة والدولة الصهيونية، حليفتها، فقد فوّت النظام الإيراني فرصة تجديد شعبيته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك