كشفت المخاطر الاقتصادية لاعتماد العالم الكبير على النفط والغاز عن نفسها مرتين خلال أربع سنوات: الأولى مع الغزو الروسي لأوكرانيا، والثانية الآن مع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهو ما يقوّض مساعي الرئيس الأميركي دونالد ترامب الرامية إلى تعزيز الاعتماد على الوقود الأحفوري.
فقد أدت الاضطرابات الكبيرة في الإمدادات والارتفاع الحاد في الأسعار نتيجة الصراع الأخير في الشرق الأوسط إلى تعزيز قناعة العديد من الحكومات بضرورة تسريع خطط تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة، بما يشمل الطاقة النظيفة أيضاً.
وأدى الصراع المستمر في الشرق الأوسط إلى إغلاق مضيق هرمز الحيوي، الذي يمر عبره نحو 20% من شحنات النفط والغاز العالمية، ما أحدث صدمة في أسواق الطاقة.
وعلى الرغم من تراجع سعر خام برنت من 119 دولاراً للبرميل يوم الاثنين – وهو أعلى مستوى منذ يونيو 2022 – إلى نحو 90 دولاراً، فإن السعر القياسي العالمي ما يزال أعلى بأكثر من 24% منذ بداية الحرب.
وفي جميع الأحوال، فإن النقص الفعلي في الإمدادات الذي بدأ يتشكل بسرعة يفرض ضغوطاً كبيرة على اقتصادات العالم، ويعيد المخاوف من ارتفاع التضخم، وضعف الإنتاج الصناعي، وتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي.
وقد كان التأثير أشد في آسيا التي تعتمد على الشرق الأوسط لتأمين نحو 60% من وارداتها النفطية.
وتذكّر الأزمة الأخيرة بأن الوقود الأحفوري، مثل الطاقة المتجددة، قد يكون غير مستقر ومتقلباً، كما تؤكد أن تأمين مصادر طاقة محلية أمر بالغ الأهمية.
وهذا بدوره يعيد تشكيل النقاش حول الهدفين اللذين يُنظر إليهما غالباً على أنهما متعارضان في نظام الطاقة العالمي: مكافحة التغير المناخي وضمان الحصول على طاقة رخيصة وموثوقة.
وقد يتبين أن الهدف الثاني قد يساعد في النهاية على تحقيق الأول.
في الجدل حول ما إذا كان ينبغي إعطاء الأولوية لتقليل استخدام الوقود الأحفوري أم الحفاظ على طاقة منخفضة التكلفة، مال الميزان بقوة نحو التحول الطاقي بعد توقيع اتفاق باريس للمناخ المدعوم من الأمم المتحدة عام 2015.
وقد أدى ذلك إلى موجة استثمارات في الطاقة المتجددة وتراجع كبير في الإنفاق على النفط والغاز والفحم، وهي المصادر الرئيسية لانبعاثات الغازات الدفيئة.
لكن الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022 شكّل صدمة قاسية.
فقد كشفت الحرب اعتماد أوروبا الكبير على الغاز الروسي المستورد بوصفه نقطة ضعف كبيرة عندما انهارت الإمدادات، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتفاقم التضخم العالمي في وقت كانت فيه الاقتصادات تخرج من جائحة كوفيد-19.
ودفعت هذه التقلبات الشديدة الحكومات من أوروبا إلى آسيا إلى التحرك سريعاً.
فسرّعت بعض الدول مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لحماية اقتصاداتها من الصدمات المستقبلية، بينما زادت دول أخرى إنتاجها المحلي من الغاز والفحم، في حين تبنت دول مثل الصين والهند نهج “كل المصادر المتاحة” لتأمين احتياجاتها من الطاقة.
وقد أبرزت الأزمة حقيقة صعبة: الوقود الأحفوري ما يزال متجذراً بعمق في الاقتصاد العالمي.
فبرغم النمو القياسي للطاقة المتجددة العام الماضي، ما يزال النفط والغاز يشكلان نحو 60% من الطلب العالمي على الطاقة، وفقاً لمعهد الطاقة، ما يوضح مدى بُعد العالم عن التخلي السريع عن هذه المصادر، ومدى تعرضه لصدمات مستقبلية.
لم تكن حرب روسيا وأوكرانيا العامل الوحيد الذي أعاد تشكيل جغرافيا الطاقة خلال العقد الماضي.
فهناك تحول كبير آخر يتمثل في صعود الولايات المتحدة كأكبر منتج للنفط والغاز في العالم بفضل ثورة النفط الصخري.
ومنذ توليه منصبه قبل أكثر من عام، روّج ترامب لفكرة “هيمنة الطاقة الأميركية”، ساعياً إلى إطلاق العنان لتطوير الوقود الأحفوري مع تقليص الدعم للطاقة المتجددة.
وقد هاجمت إدارة ترامب، إلى جانب عدد متزايد من السياسيين حول العالم، أهداف “صافي الانبعاثات الصفري”، وهو المفهوم الذي يشير إلى تحقيق توازن بين انبعاثات الغازات الدفيئة والكميات التي يجري امتصاصها من الغلاف الجوي.
وخلال اجتماع لوكالة الطاقة الدولية الشهر الماضي، وصف وزير الطاقة الأميركي كريس رايت هدف “الصفر الصافي” بأنه “وهم مدمر”، معتبراً أن التحول إلى الطاقة المتجددة يفرض تكاليف غير ضرورية على المستهلكين الذين يعانون أصلاً من التضخم.
ومن المؤكد أن تكلفة بناء أنظمة طاقة متجددة جديدة ضخمة للغاية.
فبحسب الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA)، يجب أن ترتفع الاستثمارات العالمية في الطاقة المتجددة إلى نحو 1.
4 تريليون دولار سنوياً بحلول عام 2030، مقارنةً بحوالي 624 مليار دولار في عام 2024، لتحقيق أهداف خفض الانبعاثات.
كما تقدّر وكالة الطاقة الدولية أن الإنفاق على شبكات الكهرباء وحدها يجب أن يرتفع بنحو 50% بحلول عام 2030 مقارنة بالمستويات الحالية البالغة نحو 400 مليار دولار سنوياً.
وحتى لو تم توفير هذه الاستثمارات الضخمة، فإن فكرة أن العالم يمكنه التحول بسرعة من الوقود الأحفوري إلى الطاقة المتجددة تبدو غير واقعية.
لكن عند النظر إلى المسألة من زاوية أمن الطاقة، يصبح من المنطقي للغاية أن تبحث الحكومات عن مصادر طاقة تتجاوز الوقود الأحفوري، بل قد يكون تجاهل ذلك أمراً غير مسؤول.
فخلال الأسبوع الماضي، تمكنت دولة واحدة من إرباك نظام الطاقة العالمي عبر إغلاق ممر مائي لا يتجاوز عرضه 39 كيلومتراً في أضيق نقطة.
وإذا استمر ذلك، فقد يؤدي إلى شلل فعلي في أجزاء كبيرة من الاقتصاد العالمي.
ومن المرجح أن تنتبه الحكومات إلى هذه المخاطر، خصوصاً الاقتصادات الأكثر عرضة لها، وتسعى إلى تطوير المزيد من مصادر الطاقة المحلية سواء كانت من الوقود الأحفوري أو من الطاقة المتجددة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك