تعلمنا فيزياء الجغرافيا أن القوى العابرة للحدود مهما بلغت عظمتها، تظل رهينة اللحظة السياسية، بينما تظل الأرض مع تضاريسها وجيرانها الثابت الوحيد في معادلة البقاء.
واليوم، يجد الشرق الأوسط نفسه عالقا في أتون فوضى لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت نتيجة" مقامرة" أمريكية-إسرائيلية كبرى، راهنت على" نظرية الصدمة" لكسر إرادة طهران.
لكن القراءة المتأنية للمشهد تؤكد أن ما حدث لم يكن اختراقا للنظام، بل كان خطأ كارثيا وقصر نظر إستراتيجي، جعل المنطقة برمتها تقف أمام" تأثير الدومينو"، الذي قد لا ينجو منه أحد إن لم يتم تدارك الموقف بالعقلانية الجيوسياسية لا بالعواطف الأيديولوجية.
الحل لا يكمن في التماهي مع مخططات" الدخيل" المتهور، بل في بناء منظومة أمنية إقليمية مستقلة، والحفاظ على علاقة صداقة وتفاهم مع طهران هو" صمام أمان"، يمنع تحول المنطقة إلى ساحة معارك بالوكالةوهم" الصدمة" وإعادة تدوير النظامبدأت حالة الفوضى الراهنة عندما توهمت واشنطن وتل أبيب أن استهداف" رأس النظام" في طهران سيؤدي حتما إلى تداعي الهيكل وبروز حالة من الفوضى الداخلية الشاملة؛ هذا النوع من التفكير يذكرنا بالذهنية التي سبقت غزو العراق عام 2003، حين ساد الاعتقاد بأن إسقاط القيادة سيحول البلاد إلى واحة ديمقراطية، بينما كان الواقع هو انفجار" صندوق باندورا" من المليشيات والحروب الأهلية.
في الحالة الإيرانية، فشلت الإدارة الأمريكية في تحقيق" الاختراق الكبير" الذي يسقط الدولة.
وبدلا من الانكفاء، أثبت النظام الإيراني قدرة عالية على" إعادة التنظيم"، وتوسيع نسق الهجمات بذكاء وهدوء.
لقد تحول الاغتيال من أداة لإضعاف النظام إلى وقود لتماسكه المؤسساتي، ووجدت واشنطن نفسها عاجزة حتى عن تأمين حماية كافية لجنودها في القواعد المنتشرة بالمنطقة، والتي باتت" أهدافا سهلة" لمسيرات لم تعد تفرق بين قاعدة عسكرية وأخرى.
فخ" توريط الخليج": الدومينو الذي يستهدف الجميعالمعضلة الكبرى في المشهد الحالي تكمن في محاولة واشنطن جر دول الخليج لتموضع عدائي مباشر؛ والإستراتيجية هنا واضحة: استخدام هذه الدول كـ" مصدات صدمات" في صراع لا ناقة لها فيه ولا جمل، فإذا استهدفت إيران هذه الدول باعتبارها" عدوا مباشرا" ردا على المقامرة الأمريكية، فإن واشنطن وتل أبيب ستمارسان هوايتهما التاريخية في التراجع إلى الوراء، والحديث عن" ضرورة الاتفاق" و" الوساطة"، بعد أن تكون البنية التحتية والمكتسبات الاقتصادية الخليجية قد وُضعت في مرمى النيران.
هنا يبرز" تأثير الدومينو" في أبشع صوره؛ فسقوط الاستقرار في جهة سيؤدي حتما لتداعي الأحلام الاقتصادية الكبرى في المنطقة، وأمريكا التي تحمي إسرائيل كأولوية قصوى، ستعود لاحقا بصفة" المنقذ" لتعزيز نفوذها العسكري وبيع المزيد من منظومات الدفاع، وهي في الحقيقة من تسبب في حرق الجسور بين الجيران أصلا.
إن الشرق الأوسط يقف على مفترق طرق تاريخي؛ إما الانجرار وراء" مقامرة" تقودها أطراف لا تبالي بدمار المنطقة، أو اختيار" ثبات الجغرافيا" وبناء جسور الحوار" الهستيريا" الإسرائيلية ورهان الأطرافتعيش إسرائيل اليوم حالة من" الهستيريا الإستراتيجية"؛ فهي تدرك أن إيران لم تعد تخوض حربا كلاسيكية، بل تدير" توزيع جهد" يشمل كافة الجبهات.
دخول" حزب الله" على خط المواجهة الشاملة هو الكابوس الذي تحاول تل أبيب تفاديه عبر دفع واشنطن لفتح جبهات ثانوية، مثل تحريك الملف" الكردي" في شمالي العراق وسوريا لمحاولة تشتيت الحرس الثوري.
لكن التاريخ يثبت أن هذه المحاولات هي" مسكنات تكتيكية"، لا تحل أصل الصراع الجغرافي.
الجغرافيا مقابل الدخيل: لماذا الصداقة مع طهران هي الحل؟تاريخيا، انسحبت بريطانيا من" شرق السويس" في السبعينيات عندما تغيرت مصالحها، وتخلت واشنطن عن" شاه إيران" في لحظة، وعن حلفائها في كابل في غمضة عين.
أمريكا هي" الدخيل" الذي يرحل دائما عندما تصبح التكلفة أعلى من العائد.
أما إيران، فهي جزء من" الجغرافيا"؛ جار أبدي يشترك معنا في الماء والحدود والتاريخ.
إن الحل لا يكمن في التماهي مع مخططات" الدخيل" المتهور، بل في بناء منظومة أمنية إقليمية مستقلة، والحفاظ على علاقة صداقة وتفاهم مع طهران هو" صمام أمان"، يمنع تحول المنطقة إلى ساحة معارك بالوكالة.
إن الشرق الأوسط يقف على مفترق طرق تاريخي؛ إما الانجرار وراء" مقامرة" تقودها أطراف لا تبالي بدمار المنطقة، أو اختيار" ثبات الجغرافيا" وبناء جسور الحوار.
إن كسر سلسلة" الدومينو" قبل السقوط الكبير يتطلب شجاعة سياسية ترفض أن نكون وقودا في حرب" الدخيل"، وتؤمن بأن الجوار الجغرافي هو المصير، وأن الغرباء، مهما طال بقاؤهم، سيرحلون في النهاية مخلفين وراءهم الرماد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك