طرابلس – «القدس العربي»: شهد ملف الهجرة غير الشرعية في ليبيا خلال الأيام الأخيرة تصاعدا ملحوظا في الجدل السياسي والشعبي، بعدما خرج مئات المتظاهرين في العاصمة طرابلس احتجاجا على وجود المهاجرين وعلى ما وصفوه بمخاوف من مشاريع توطين داخل البلاد.
وتزامنت هذه التحركات مع صدور سلسلة من البيانات والمواقف الرسمية من مؤسسات ليبية مختلفة، إلى جانب توضيحات من بعثة الأمم المتحدة وسفارة قطر، في مشهد يعكس حجم الحساسية التي بات يثيرها هذا الملف داخل الساحة الليبية.
وجاءت المظاهرات في وقت تتزايد فيه النقاشات عبر وسائل التواصل الاجتماعي بشأن أعداد المهاجرين الموجودين داخل ليبيا، وسط مخاوف شعبية من انعكاسات الظاهرة على الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، خاصة في ظل استمرار الانقسام السياسي والتحديات التي تواجه مؤسسات الدولة منذ سنوات.
وشهدت العاصمة طرابلس تجمع مئات المحتجين أمام مقر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في منطقة السراج، حيث رفع المشاركون شعارات ترفض توطين المهاجرين وتطالب بترحيل الموجودين داخل البلاد.
كما أقدم المحتجون على إغلاق البوابة الرئيسية للمقر ونصب خيام في محيطه، قبل أن يتوجه عدد منهم لاحقا إلى مقر بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.
وتعد هذه المظاهرة من أكبر التحركات الشعبية التي شهدتها العاصمة خلال الفترة الأخيرة بشأن ملف الهجرة، في ظل تنامي الخطاب الرافض لبقاء أعداد كبيرة من المهاجرين داخل الأراضي الليبية.
ويرى عدد من المحتجين أن استمرار تدفق المهاجرين يفرض أعباء إضافية على الدولة ويزيد من التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تعانيها البلاد.
ويأتي ذلك في وقت ما تزال فيه ليبيا إحدى أبرز نقاط العبور للمهاجرين القادمين من دول أفريقيا جنوب الصحراء باتجاه السواحل الأوروبية.
فمنذ عام 2011 تحولت البلاد إلى محطة رئيسية للهجرة غير النظامية بسبب موقعها الجغرافي واتساع حدودها البرية، إضافة إلى الأوضاع الأمنية التي ساهمت في تنامي نشاط شبكات تهريب البشر.
وفي خضم هذه التطورات، سارعت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى إصدار بيان نفت فيه بشكل قاطع وجود أي برامج أو مشاريع أممية تهدف إلى توطين المهاجرين داخل ليبيا.
وأكدت البعثة أن جميع الادعاءات المتداولة بهذا الشأن لا تستند إلى أي حقائق، مشددة على أن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين تعمل بالتنسيق مع السلطات الليبية والمجتمع الدولي لإيجاد حلول للأشخاص الفارين من النزاعات، سواء من خلال إعادة التوطين في دول ثالثة أو عبر العودة الطوعية إلى بلدانهم الأصلية عندما تسمح الظروف بذلك.
كما أعربت البعثة عن قلقها من انتشار ما وصفته بالمعلومات المضللة وخطاب الكراهية المرتبط بملف الهجرة، معتبرة أن بعض هذه الخطابات ساهمت في التحريض ضد موظفي الأمم المتحدة والعاملين في المنظمات الدولية.
وأدانت أي تهديدات أو أعمال تستهدف مقار الأمم المتحدة أو موظفيها، مؤكدة في الوقت نفسه احترامها لحق الليبيين في التعبير السلمي عن آرائهم.
ودخلت المؤسسات السياسية الليبية على خط الجدل الدائر حول الملف.
فقد أعلن المجلس الأعلى للدولة رفضه القاطع لأي مشاريع أو تفاهمات قد تؤدي بشكل مباشر أو غير مباشر إلى توطين المهاجرين داخل الأراضي الليبية.
وأكد المجلس أن الحفاظ على الهوية الوطنية والتركيبة السكانية يمثلان من الثوابت التي لا يمكن التنازل عنها، محذرا من أي ترتيبات قد تفرض واقعا ديموغرافيا جديدا على البلاد.
وشدد المجلس على أن إدارة ملف الهجرة تعد من الاختصاصات السيادية للدولة الليبية، داعيا إلى تعزيز الجهود الرامية إلى مكافحة الهجرة غير الشرعية وشبكات الاتجار بالبشر، مع ضرورة احترام السيادة الوطنية في أي سياسات أو مبادرات تتعلق بهذا الملف.
وفي السياق ذاته، أصدرت لجنة الدفاع والأمن القومي في مجلس النواب بيانا أكدت فيه رفضها القاطع لما وصفته بمحاولات أو مخططات تستهدف توطين المهاجرين داخل ليبيا.
واعتبرت اللجنة أن أي إجراءات من هذا النوع تمثل تهديدا للأمن القومي والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، محذرة من أي تغييرات ديموغرافية قد تمس الهوية الليبية أو تؤثر في البنية السكانية للمجتمع.
وأكدت اللجنة أن الشعب الليبي ومؤسساته الوطنية لن يقبلوا بتحويل البلاد إلى موطن بديل للمهاجرين غير الشرعيين تحت أي مسمى، مشددة على ضرورة معالجة ظاهرة الهجرة في إطار يحفظ سيادة الدولة ويحترم القوانين الليبية.
وفي خضم تصاعد النقاشات والاتهامات المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أصدرت سفارة دولة قطر في طرابلس بيانا أعربت فيه عن استغرابها مما وصفته بادعاءات تزعم وجود علاقة لقطر بمشاريع أو مبادرات تهدف إلى توطين المهاجرين داخل ليبيا.
وأكدت السفارة أن هذه المزاعم لا تستند إلى أي حقائق أو مواقف رسمية، مشددة على احترام دولة قطر لسيادة ليبيا ووحدة أراضيها وحق الليبيين في إدارة شؤونهم الداخلية.
ودعت السفارة وسائل الإعلام ومستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي إلى تحري الدقة وعدم الانجرار وراء الشائعات والمعلومات غير الموثقة، محذرة من تأثير مثل هذه المزاعم على العلاقات بين البلدين.
وتعكس هذه التطورات حجم التعقيد الذي يحيط بملف الهجرة في ليبيا، والذي بات يتداخل فيه البعد الأمني مع الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
فبينما تؤكد المؤسسات الليبية رفضها لأي مشاريع توطين، تصر الأمم المتحدة على نفي وجود مثل هذه الخطط، في وقت تستمر فيه المخاوف الشعبية والتجاذبات السياسية حول مستقبل هذا الملف.
ومع استمرار تدفق المهاجرين عبر الأراضي الليبية، يبدو أن قضية الهجرة ستبقى واحدة من أكثر القضايا حساسية وإثارة للجدل خلال المرحلة المقبلة، خاصة في ظل المطالب الشعبية المتزايدة باتخاذ إجراءات أكثر صرامة لمواجهة الظاهرة، مقابل دعوات دولية تركز على احترام حقوق الإنسان والتعامل مع الملف وفق الأطر القانونية والإنسانية المعمول بها دوليا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك