لماذا يعشق الجمهور «شجيع السيما»؟ يحبه حتى لو كان منحرفاً سلوكياً، وقد صنعت السينما المصرية على مدى تاريخها نجوماً كثيرة لها انطلاقاً من هذه المحبة.
نعم يحب الجمهور «شجيع السيما» بحسب الاصطلاح المصري، ويبدو أنها طبيعة إنسانية انتقلت بالتبعية إلى مشاهدي التليفزيون.
هذه حقيقة لا تحتمل المناقشة، وقد أدركها صناع الدراما منذ أن عرفت مصر الفيلم الروائي الطويل قبل نحو 100 عام.
فالجمهور الذي يتمسك بمقعده حتى نهاية العرض السينمائي، أو يظل مشدوداً إلى أحداث 30 حلقة تلفزيونية لا يرضيه أن يخرج البطل مهزوماً في النهاية، لا بد أن يظل بطلاً في أعينهم حتى لو كانت المعركة غير متكافئة، وكم من معارك سينمائية ثم تلفزيونية انهزمت فيها الكثرة أمام الشجاعة، لأن قانون الدراما يريد هذا، كما هي الحال في معارك فريد شوقي ورشدي أباظة وأحمد رمزي وعادل إمام على شاشة السينما، ثم محمد رمضان ومن سار في ركابه على شاشة التليفزيون، ولا سيما عمرو سعد وأحمد العوضي، لأن الحالة المزاجية للمتلقي لا تقبل بغير هذا، ربما لأن المشاهد يرى نفسه في بطل السردية الدرامية الذي يأخذ له حقه من ظلم الأيام ويعوضه عن ضعفه حيال قهر الآخرين، ويا حبذا لو كان هذا «الشجيع» بطلاً شعبياً أتى من قلب الحارة وقاع مجتمعها.
الأمر اللافت أن نجوم الحركة ممن صنعتهم السينما الذين لحقوا بعصر الدراما التليفزيونية ظلوا حتى وقت قريب ملجومين بقيود صارمة عند مشاركاتهم عبر الشاشة الصغيرة فيما عرف بأدبيات الدراما التليفزيونية وأعرافها الراسخة، تماماً مثل الثالوث الرقابي المقدس «الجنس والدين والسياسة» احتراماً لأفراد الأسرة الذين يقتحمهم البث التليفزيوني من دون استئذان، فإذا بالسنوات 10 الأخيرة، ولا سيما مع ظهور نجومية محمد رمضان، تشهد اختراقاً واضحاً لهذا السياج الصلب من التقاليد والأعراف التليفزيونية، ما شجع غيره من الممثلين على السير في الاتجاه ذاته، رغم أن محمد رمضان لا يزال يسجل غيابه للعام الثالث على التوالي عن دراما الموسم الرمضاني.
واحد من هؤلاء هو الممثل أحمد العوضي الذي يقدم للعام الثاني مسلسلاً تليفزيونياً ينتمي إلى هذه النوعية هو «على كلاي» من تأليف محمود حمدان وإخراج محمد عبدالسلام، بعد أن قدم العام الماضي حلقات «فهد البطل» برفقة الثنائي ذاته.
ولا تختلف كثيراً طبيعة الصراع في العملين، فالبطل الشعبي «أحمد العوضي» يتعرض للظلم الاجتماعي في حله وترحاله، وهو شاب طيب شديد البأس لا يريد أن يستخدم قوته وفتوته، لكن الآخرين هم الذين يجبرونه على ذلك وسط أحداث متشابكة وخيوط متداخلة بعضها أقرب إلى حواديت الأفلام الهندية ذات الطابع الميلودرامي الفج، لكن «على كلاي» لا بد أن ينتصر في النهاية مهما تحالف عليه الأشرار، لأنه البطل الشعبي «شجيع الدراما» الذي يحب الجمهور أن يراه منتصراً.
وقد تصادف أني كنت ماراً قبل أيام بالقرب من أحد المقاهي فإذا بالجالسين به يرفعون أكفهم بالتصفيق فجأة وكأن فريقهم الكروي الذي يشجعونه قد أحرز هدفاً، وهنا عرفت أن أحمد العوضي أو «على كلاي» قد لكم متحديه بعض اللكمات النافذة وخرج منتصراً من المعركة، تماماً مثلما كان جمهور الترسو يصفق لفريد شوقي حينما ينتصر على محمود المليجي أو زكي رستم وأعوانهما في أفلام الأبيض والأسود متحدياً منطق الكثرة تغلب الشجاعة.
ومع هذا، وحتى أكون منصفاً، فإن أحمد العوضي في «على كلاي» هذه السنة ليس هو في «فهد البطل» العام الماضي، فالمواقف الدرامية أقل عنفاً وغلظة، وربما كان هذا التراجع في معدلات العنف راجعاً إلى محاولة الاستجابة -ولو جزئياً- للتوجيهات الرئاسية المتعلقة بالدراما المصرية بوجه عام من دون أن نبخس «العوضي» حقه في اكتسابه مزيداً من الخبرة عاماً بعد عام، وعملاً بعد آخر، فقد اكتسى وجهه في «على كلاي» بقدرة متنامية على التعبير مع اختياره لنبرة أكثر هدوءاً في الأداء الصوتي بعيداً عن الانفلات العصبي والأداء المتشنج عالي الصوت الذي كان يغلف أداءه في السابق للدرجة التي جعلتنا لا نميز ما يقوله «كلاي» من فرط انخفاض صوته، وهذا معناه أنه كممثل يحاول الاستفادة من الانتقادات التي توجه إليه، ويبشر في المستقبل بمزيد من الأعمال الدرامية تكون أكثر نضجاً في المحتوى والأداء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك