يبدو هذا السؤال للوهلة الأولى متناقضاً؛ فالنضج نفسه هو نتيجة التجارب، والتجارب هي التي تُكسب الإنسان فهماً أعمق لذاته وللعالم.
لكن الصعوبة تكمن في أن هذه المعرفة لا تُكتسب مجاناً، بل تأتي غالباً مقرونة بالخسارات والخيبات والآلام.
ومن هنا تنشأ المفارقة: إذا كان الإنسان لا يبلغ النضج إلا عبر ما يهزه ويكسره ويبدد أوهامه، فهل يكون النضج مكسباً حقيقياً أم مجرد تعويض متأخر عن شيء ضاع إلى غير رجعة؟يولد الإنسان وهو يمتلك نوعاً من الثقة العفوية بالعالم.
إنه لا يعرف الكثير، لكنه لا يشعر بالحاجة إلى الحذر من كل شيء.
غير أن الاحتكاك بالواقع يفرض عليه اكتشاف محدوديته ومحدودية الآخرين أيضًا.
فالتجربة لا تضيف إلى الإنسان معرفة جديدة فحسب، بل تسلبه في الوقت نفسه جزءاً من يقينه القديم.
ولذلك لا يكون النضج مجرد تراكم للخبرات، بل تحولاً في طريقة النظر إلى الحياة.
فكل معرفة جديدة تحمل معها سقوط وهم سابق، وكل إدراك أعمق للواقع يقابله تراجع في البراءة التي كانت تجعل العالم أكثر بساطة.
لهذا السبب يمكن فهم الحنين الذي يشعر به كثير من الناس تجاه مراحل سابقة من حياتهم.
فهم لا يشتاقون إلى جهلهم السابق بقدر ما يشتاقون إلى حالة الاندفاع والثقة التي كانت ممكنة قبل أن تكشف لهم التجارب هشاشة الأشياء.
غير أن هذا الحنين يفترض ضمناً أن البراءة قيمة أعلى من المعرفة، وهو افتراض لا يسلم به جميع الفلاسفة.
ففريدريك نيتشه يرى أن الإنسان لا يُقاس بما حافظ عليه من راحة أو طمأنينة، بل بقدرته على تحويل معاناته إلى قوة.
ليست قيمة التجربة في الألم الذي تسببه، بل في ما تخلقه من إمكانات جديدة للفهم والتجاوز.
ومن هذا المنظور لا تكون الندوب دليلاً على الهزيمة، بل أثراً للتحول الذي مر به الإنسان.
ومع ذلك فإن ربط النضج بالقدرة على تجاوز الألم لا يحل المشكلة بالكامل.
فليس كل ألم يقود إلى الحكمة، وليس كل تجربة قاسية تنتج إنساناً أكثر عمقاً.
قد تترك بعض التجارب آثاراً تدفع الإنسان إلى الانغلاق أو التشاؤم أو فقدان الثقة بالآخرين.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل يكفي أن نكون أكثر فهماً للحياة إذا كان هذا الفهم قد جعلنا أقل قدرة على الانخراط فيها؟يقترب ألبير كامو من هذه المعضلة حين يربط الوعي باكتشاف عبثية الوجود.
فكلما ازداد الإنسان وعيًا أدرك أن العالم لا يمنحه المعنى الذي يبحث عنه بصورة جاهزة.
لكن كامو لا يرى في هذا الاكتشاف سبباً للاستسلام، بل بداية لموقف جديد من الحياة.
فالنضج لا يتمثل في العثور على إجابات نهائية، وإنما في القدرة على الاستمرار رغم غيابها.
وهنا لا يعود السؤال: ماذا أعطتني التجارب؟ بل: ماذا سأفعل بما كشفته لي هذه التجارب عن نفسي وعن العالم؟إن الخطأ ربما يكمن في تصور النضج باعتباره مكافأة تأتي بعد المعاناة.
فالنضج ليس شيئاً منفصلاً عن التجربة حتى نقارن بينهما كما لو كان أحدهما ربحاً والآخر خسارة.
إنه الشكل الذي تأخذه الذات بعد مرورها بما مرت به.
لذلك لا يستطيع الإنسان أن يفصل بين جراحه وحكمته، لأن كليهما نتج عن المسار نفسه.
وما يبدو تشوهاً من زاوية معينة قد يبدو من زاوية أخرى إعادة تشكيل للذات على نحو أكثر وعياً وتعقيداً.
ولهذا قد لا تكون فائدة النضج أنه يعيد إلينا ما فقدناه، لأنه لا يفعل ذلك أصلاً.
إنه لا يعيد الثقة الأولى ولا اليقين الأول ولا النظرة البسيطة إلى العالم.
لكنه يمنح الإنسان شيئاً آخر: القدرة على فهم ما فقده، وفهم نفسه بوصفه كائناً يتشكل باستمرار عبر ما يعيشه.
لعل الحكمة ليست نقيض الخسارة، بل أحد أشكالها الأكثر عمقاً.
فكل وعي جديد يُبنى على أنقاض يقين قديم، وكل نضج يحمل في داخله أثر ما تخلّى عنه الإنسان في سبيله.
وهكذا يبقى الإنسان واقفاً بين ما فقده وما فهمه، متأملاً السؤال الذي لا يكف عن العودة: هل تستحق الحكمة ثمنها؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك