نواكشوط –«القدس العربي»: في قلب أسواق نواكشوط المزدحمة، حيث تختلط أصوات المساومة بوميض شاشات الهواتف، اندلع جدل جديد حول قرار جمركة الهواتف المحمولة، وهو قرارٌ تقول الحكومة إنه يهدف إلى تنظيم السوق وتعزيز موارد الخزينة، بينما يراه آلاف الشباب العاملين في تجارة الهواتف تهديدا مباشرا لأرزاقهم.
وقد تحول ما بدأ كإجراء تقني ضمن قانون المالية لعام 2026، بشكل سريع، إلى قضية رأي عام، امتدت من الأرصفة التجارية إلى قبة البرلمان، ومن الأسواق الشعبية إلى منصات التواصل الاجتماعي.
وأكد جمال عبد الناصر أحمد، مدير التشريع والتعاون الدولي بالإدارة العامة للجمارك الموريتانية «أن الهواتف كانت تخضع سابقاً لرسوم إجمالية بلغت 32,75%، فيما حددها القانون الجديد بـ 30% للهواتف الذكية و12% لغير الذكية، مؤكداً أن ما يتردد عن زيادة في الرسوم لا أساس له من الصحة».
وأوضح المدير «أن بيانات الجمارك تُظهر أن أعداد الهواتف المُجمركة تبقى ضئيلة قياساً بحجم انتشارها على المستوى الوطني، ما يعني أن شريحة واسعة من الأجهزة المتداولة في السوق لم تستوفِ الاشتراطات القانونية المطلوبة لدخول البلاد».
وأكد جمال عبد الناصر أحمد «أن قانون المالية الجديد لم يرفع الرسوم الجمركية على الهواتف، بل خفّضها».
ولم تعد تجارة الهواتف المحمولة في موريتانيا مجرد نشاط تجاري هامشي، فقد تحولت خلال السنوات الأخيرة، إلى قطاع اقتصادي غير منظم لكنه واسع الانتشار، يشغل آلاف الشباب؛ من الباعة في الأسواق إلى الفنيين في الصيانة والبرمجة وتبديل القطع.
ويقول ممثلو اتحاد سوق الهواتف «إن هذا القطاع يوفر فرص عمل لما يقارب 50 ألف شاب يعيلون أسرهم، ما يجعله أحد أكبر فضاءات التشغيل غير الرسمي في البلاد».
وتشير تقارير قطاع الاتصالات إلى أن موريتانيا تضم ملايين مستخدمي الهواتف، حيث تجاوز عدد المشتركين في شبكات الهاتف أكثر من 5.
4 ملايين مشترك وفق تقارير سلطة تنظيم الاتصالات، مع انتشار واسع لاستخدام الإنترنت عبر الهاتف المحمول.
وتعكس هذه الأرقام حجم السوق الاستهلاكية التي جعلت تجارة الهواتف نشاطا مربحا ومغريا للشباب الباحثين عن مورد رزق في ظل محدودية فرص العمل.
وفي المقابل، تقول السلطات إن الإجراءات الجديدة لا تستهدف الباعة، بل تسعى إلى تنظيم سوق الأجهزة ومكافحة التهريب.
وبموجب النظام الجديد الذي أقرته وزارة المالية، أصبحت الرسوم الجمركية على الهواتف الذكية 30% بدل 32.
75%، فيما حددت الرسوم على الهواتف العادية عند 12%، مع اعتماد نظام رقمي لمتابعة الأجهزة المسجلة على الشبكات الوطنية.
كما يمنح النظام المستخدم مهلة لتسوية وضعية هاتفه قبل أن يتم تعليق الخدمة عنه في حال عدم استكمال الإجراءات الجمركية.
وترى الحكومة في هذه الخطوة وسيلة لضبط السوق وضمان المنافسة العادلة، لكن الباعة يعتقدون أن الأمر سيؤدي إلى نتيجة معاكسة تماما.
ودفعت هذه المخاوف اتحاد سوق الهواتف النقالة إلى تنظيم وقفة احتجاجية أمام البرلمان، رافعين شعارات تطالب بـ «الإنصاف وإشراك الشباب وعدم الإقصاء».
ورفض المتحدث باسم الاتحاد، مولاي الزين ولد مولاي، الرواية الحكومية التي تتحدث عن تخفيض الرسوم من 32% إلى 30%، معتبرا أن ما كان مطبقا سابقا هو جمركة تقديرية غير محددة، وأن النظام الجديد يفرض لأول مرة رسوما ثابتة قد تشل السوق.
ولوح الاتحاد بالدخول في إضراب عن العمل، مؤكدا أن آلاف الشباب قد يجدون أنفسهم بلا مصدر دخل إذا تم تطبيق الإجراءات بصيغتها الحالية.
وفيما اعتبره أنصار الحكومة استغلالاً للظرف، أكد إسلكو ولد ابهاه، النائب عن حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية «تواصل»، «أن تعطيل آلاف الشباب العاملين في هذا القطاع سيكون له أثر اجتماعي خطير»، مشيراً إلى أن «عدد العاملين في سوق الهواتف يفوق فرص العمل التي أعلنت الحكومة عن توفيرها».
وطالب النائب بتجميد القانون الضريبي الجديد، معتبرا أنه قد يؤدي إلى دفع بعض الشباب نحو الهشاشة أو حتى الجريمة إذا فقدوا مصادر رزقهم.
كما تساءل عن مسؤولية الدولة عن الأجهزة التي دخلت البلاد في السابق دون تسوية كاملة لوضعيتها الجمركية.
بدوره، اعتبر النائب المرتضى ولد اطفيل «أن الأزمة تعكس خللا أعمق في النظام الضريبي»، مشيرا إلى أن التركيز على الضرائب غير المباشرة يثقل كاهل الفئات الفقيرة والمتوسطة.
وقال «إن ضعف التصاعدية الضريبية واتساع الإعفاءات الممنوحة لبعض الفئات الاقتصادية يساهمان في تعميق الفوارق الاجتماعية وزيادة هشاشة الفئات الأكثر ضعفا».
ومع تصاعد الجدل، دخلت شخصيات سياسية وإعلامية على الخط، مستغلة حالة التوتر الاجتماعي.
وشن وزير الإعلام السابق محمد ولد أمين هجوماً حاداً على الحكومة، معتبرا أن فرض الضرائب في هذا الظرف الاقتصادي يعكس، حسب تعبيره، «سعياً للإجهاز على أرزاق الفقراء»، مقارناً الوضع بحادثة البائع التونسي محمد البوعزيزي التي فجرت احتجاجات واسعة في تونس عام 2010.
ويعكس هذا الخطاب التصعيدي محاولة واضحة من بعض الأطراف السياسية المعارضة استثمار غضب الشارع وتحويله إلى ورقة ضغط سياسية.
بين تنظيم السوق واحتقان الشارعفي النهاية، يبدو أن أزمة جمركة الهواتف تتجاوز مجرد نقاش تقني حول الضرائب؛ فهي تكشف هشاشة التوازن بين محاولات الدولة تنظيم الاقتصاد غير الرسمي وبين اعتماد آلاف الشباب على هذا الاقتصاد كمصدر رزق أساسي.
وبينما تصر الحكومة على المضي في الإصلاحات الضريبية، يحذر تجار الهواتف من أن تجاهل مطالبهم قد يدفع إلى مزيد من الاحتجاجات، وربما إغلاق الأسواق.
وبكل هذا، تتحول الهواتف الذكية التي كانت رمزاً للتكنولوجيا والاتصال، إلى شرارة جدل اقتصادي وسياسي جديد في موريتانيا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك