قناة الشرق للأخبار - الرئيس الروسي يثمّن دور المملكة في دعم استقرار سوق الطاقة العالمي العربية نت - الكونغو تحذر من انتشار سريع لإيبولا وتسجل 71 إصابة جديدة قناة التليفزيون العربي - الوكالة الدولية للطاقة الذرية تستبعد نقل اليورانيوم الإيراني خارج البلاد مقترحة تدمير المخزون قناة التليفزيون العربي - أزمة في تونس وليبيا.. ما حقيقة مشاريع توطين المهاجرين غير النظاميين من إفريقيا جنوب الصحراء؟ قناة الجزيرة مباشر - Has Israel Erased Thousands of Families from Civil Registries in Gaza and Lebanon? قناة الشرق للأخبار - معركة الأموال.. طهران تطالب بمكاسب مالية وواشنطن تتمسك بالضغط الجزيرة نت - مباشر.. مباراة السعودية ضد بورتوريكو الودية الجزيرة نت - شاهد.. كيف تفاعل سكان كاليفورنيا مع نجوم المنتخب القطري؟ الجزيرة نت - إسلام علوش يوجه رسالة من سجنه بفرنسا للرئيس السوري الجزيرة نت - ما الذي أخفته الصين في تيك توك وتهدد به أمريكا؟
عامة

عشاء عراقي

القدس العربي
القدس العربي منذ 3 ساعات
1

في تلك الليلة لم يكن في البيت ما يؤكل. عرف أبو سعد ذلك منذ الظهيرة. فتح علبة الطحين فلم يجد سوى طبقة رقيقة من الغبار الأبيض في القاع. هز كيس الرز فسمع حبات قليلة تتدحرج داخله كحصى صغيرة ضلت طريقها إلى...

ملخص مرصد
أبو سعد aged 60+ يواجه صعوبة في توفير الطعام لعائلته، فقرر خلق عشاء وهمي مستوحى من أفلامه القديمة. تحولت اللعبة العائلية إلى لحظات فرح رغم الجوع، حيث تخيل الجميع أطباقاً شهية. انتهى العشاء بوعود غداً بمائدة حقيقية، تاركاً أثراً دافئاً في نفوسهم.
  • أبو سعد aged 60+ لم يجد سوى القليل من الطعام في المنزل
  • أبو سعد خلق عشاء وهمياً مستوحى من أفلام قديمة، ففرح الجميع
  • أحفاده وصفوا العشاء الوهمي بأنه ألذ طعام في حياتهم
من: أبو سعد (جد) وعائلته أين: منزل العائلة (غير محدد المكان)

في تلك الليلة لم يكن في البيت ما يؤكل.

عرف أبو سعد ذلك منذ الظهيرة.

فتح علبة الطحين فلم يجد سوى طبقة رقيقة من الغبار الأبيض في القاع.

هز كيس الرز فسمع حبات قليلة تتدحرج داخله كحصى صغيرة ضلت طريقها إلى بيت فقير.

فتش الرفوف واحداً بعد آخر، فوجد نصف بصلة ذابلة، وعلبة شاي شبه فارغة، وبعض الملح.

أعاد كل شيء إلى مكانه بهدوء.

لم يفاجئه الأمر كثيراً.

فقد تجاوز الستين منذ أعوام، وصار يعرف كيف تأتي الأيام الصعبة.

جلس قرب النافذة.

في الخارج كانت الشمس تهبط ببطء فوق أسطح البيوت المتعبة.

وفي الداخل كانت زوجته تحاول أن تخفي قلقها، بينما عاد ابنه الأكبر خالي اليدين.

أما الأحفاد فكانوا يدورون في الغرف مثل عصافير صغيرة لا تعرف شيئاً عن حسابات الكبار.

ــ جدو.

ماذا سنتعشى الليلة؟نظر إليها طويلاً، ثم ابتسم وقال:ــ الليلة عندنا عشاء خاص.

أما هو فبقي جالساً مكانه، كانت الأفلام تمر في ذاكرته مثل شريط طويل لا ينتهي.

تذكر دور السينما القديمة التي كان يرتادها في شبابه.

تذكر المقاعد الخشبية المهترئة، ورائحة السجائر، والضجيج قبل بدء العرض.

تذكر تشارلي شابلن في «حمى الذهب» وهو يأكل حذاءه بشهية رجل وجد أخيراً طعاماً حقيقياً.

تذكر بود سبنسر وهو يلتهم أفخاذ الدجاج المشوية وقطع اللحم العملاقة في أفلام الويسترن سباغيتي، فيما يجلس ترنس هيل مقابله مبتسماً كأنه لا يعرف معنى الجوع.

تذكر موائد فيسكونتي المترفة تحت الثريات الذهبية، وموائد الأفلام القديمة التي كانت تتصاعد منها أبخرة المحاشي، والولائم الإيطالية التي بدت له يوماً أكبر من أحلامه كلها.

لم يكن يتذكر حبكات الأفلام دائماً، لكنه كان يتذكر الطعام.

يتذكر البخار، ويتذكر الأرغفة، ويتذكر الوجوه وهي تأكل مطمئنة.

عندما حل المساء نهض فجأة، وارتدى قميصه النظيف الوحيد، ومشط شعره الأبيض بعناية.

ثم وقف وسط الغرفة وقال بصوت احتفالي:ــ أدعوكم جميعاً إلى… موعد على العشاء.

ابتسم.

وحده كان يعرف أنه سرق العبارة من عنوان فيلم لمحمد خان شاهده قبل سنوات طويلة.

مرت الصورة في رأسه سريعاً، ثم اختفت.

تبادل أفراد العائلة النظرات، لم يفهم أحد ما الذي يجري، لكنهم جلسوا حول المائدة.

كانت الطاولة خالية.

الصحون خالية.

الأكواب خالية.

حتى سلة الخبز كانت خالية.

جلس أبو سعد في صدر الطاولة كما يجلس مدير صالة فخمة يستقبل ضيوفه، ثم قال:وأشار إلى صحن فارغ أمامه.

أغمض عينيه قليلاً.

كان يراه بالفعل.

كان يرى المرق الذهبي يلمع.

ويرى قطع اللحم الكبيرة.

ويرى الخبز وقد تشرب النكهة حتى آخره.

التفت إلى حفيدته وقال:ــ انتبهي يا زهراء… المرق ساخن.

نفخت الطفلة في الهواء فوراً، فانفجر الجميع بالضحك.

شعر أبو سعد أن شيئاً دافئاً يتحرك داخل صدره.

ــ وبعده دولمة على الطريقة البغدادية.

مد ابنه يده إلى صحنه الفارغ وقال:ــ خذ ما تشاء.

الليلة لا حساب عندنا.

ــ هذا رز لا يوجد مثله حتى في الفنادق الكبرى.

وأضاف طبقاً آخر، ثم طبقاً آخر، ثم سمكاً مسگوفاً جاء للتو من دجلة، ثم بامية باللحم، ثم قيمراً مع الخبز الحار رغم أن الوقت وقت عشاء.

وبدأت اللعبة تكبر.

الجدة اشتكت من كثرة الفلفل.

والحفيدة طلبت قطعة سمك إضافية.

والابن أعلن أن التشريب يستحق جائزة عالمية.

وبينما كانت الملاعق الوهمية تتحرك فوق الصحون الفارغة، كانت الضحكات تملأ الغرفة الصغيرة.

شيئاً فشيئاً تحول الفراغ إلى وليمة.

وتحول الجوع إلى حكاية.

وتحول العشاء إلى أمسية عائلية حقيقية.

حتى إن زهراء قالت في لحظة صدق كامل:ــ جدو… هذا ألذ عشاء أكلته في حياتي.

كادت دمعة تفلت من عينيه، لكنه ضحك بدلاً من ذلك.

واستمر في تقديم أطباقه غير المرئية.

كان يستعيرها كلها من ذاكرته، من أفلام شاهدها، ومن مطابخ عرفها، ومن أمه التي رحلت منذ زمن، ومن عراق قديم ما زال يسكنه أكثر مما يسكن البيت الذي يعيش فيه.

عندما انتهت الوليمة نهض الجميع بشعور غريب.

لم يشبع أحد، لكن أحداً لم يبق جائعاً تماماً.

قبّلت زهراء جدها قبل أن تنام، وقالت:ثم انطفأت الأنوار واحدة بعد أخرى.

نام الأطفال ونام الكبار.

وبقي أبو سعد وحده أمام المائدة.

مد يده إلى أحد الصحون الفارغة.

مرر إصبعه على حافته ببطء.

كان نظيفاً إلى درجة مؤلمة.

رفع رأسه نحو الظلام.

تذكر أمه، وتذكر أباه.

وتذكر دور السينما التي أغلقت أبوابها.

وتذكر الوجوه التي اختفت.

ثم ابتسم وهمس كأنه يحدث نفسه:ــ غداً سيكون عندنا عشاء حقيقي.

وبقيت الكلمات معلقة في هواء المطبخ.

وحده كان يعرف أنها تشبه الدعاء أكثر مما تشبه الوعد.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك