يفتتح خلدون الشمعة، في كتابه الأخير، «التموزية والملحمة النقيض» بصورة مثيرة للشاعر العراقي بدر شاكر السياب، يتخيّل فيها الشاعر العربي الحديث في صورة القديس يوحنا «وقد افترست عينيه الخطايا السبع تطبق على العالم».
الثقل الباهظ الذي أهّل شعراء الحداثة العرب ليكونوا في صورة القديس آنف الذكر، نجمت عن محاولتهم، لا تفسير العالم فحسب، بل تغييره أيضا.
رأى السياب أن محاولات أولئك الشعراء، الذين افترضوا في أنفسهم تلك المسؤوليات الجسيمة، فشلت ولم تستمر، ما أدى لتهاوي مدارس وحركات شعرية بأكملها «لها من القيمة التاريخية أكثر مما لها من القيمة الفنية».
إشارة السياب كانت، بالطبع، إلى المدارس الفنية التي خرجت من معطف النظريات الماركسية والأحزاب الشيوعية العربية، والتي لم يبق منها «سوى شاعر هنا وشاعر هناك».
كان السياب هو أحد أولئك الشعراء في حقبة ما، وقد اضطرّه ذلك، حين استشهد بالشاعر الإنكليزي الشهير ت.
إس.
إليوت إلى وصفه بـ»الشاعر الرجعي»!إضافة إلى الأثر الضخم الذي تركه إليوت على بعض من أشهر الشعراء العرب، يشير الشمعة أيضا للدور الذي لعبه كتاب «الغصن الذهبي» لجيمس فريزر.
ساهم العنصران الآنفان في نشوء حركة «التموزية» العربية، التي قدمت أسماء مثل أدونيس، والسياب نفسه، ومحمد الماغوط وخليل حاوي وتوفيق صايغ وأنسي الحاج وفؤاد رفقة، الذين احتضنت مجلة «شعر» معظمهم.
«الغصن الذهبي» وقصيدة النثريشير الشمعة أيضا إلى دور كان هو أحد الأوائل الذي التفتوا إليه، وهو أعمال حازم القرطاجني، التي أعطت للشعر معنى جديدا، إيجابيا، نتيجة فهم الشعراء العرب للشعر عبر ترجمة «خاطئة» لأرسطو!مثير للجدل هنا، ما يدعوه الشمعة «تكافؤ الضدين» في التأثيرات على الشعراء العرب الحديثين كما تبدّت في «التموزية» العربية الممثلة بشعر إليوت ونقده ومصادره، والمنزع الأنكلوسكسوني في الأدب والنقد، وصلته بكتاب «الغصن الذهبي»؛ ثم كتاب سوزان برنار حول قصيدة النثر، الذي يمثل التأثير الفرنسي على المرحلة نفسها.
يعطي الشمعة مثالا على اشتباك هذين الضدين، باستشهاد من جبرا إبراهيم جبرا ينتقد فيه قصيدة لأدونيس قائلا: «هل غاية الشاعر أن يري قراءه أنه قادر على الإتيان بمئات الصور؟ »، ليقارنها بقصيدة «البعث والرماد» للسياب، «تلك القصيدة العظيمة التي ترى فيها الفكرة وهي تنمو وتتطور»، خالصا إلى أن سبب ذلك هو التضاد بين التأثيرين الأنكلوسكسوني والفرنسي: «ما زلت أيها الصديق متأثرا بالشعر الفرنسي الحديث، أكثر من تأثرك بالشعر الإنكليزي الحديث، هذا الشعر العظيم».
يدفع هذا النقد أدونيس إلى إنكار أثر إليوت في الشعر العربي الحديث في أكثر من موضع، لكن ناقدا، مثل عبد الرضا علي في كتابه «الأسطورة في شعر السياب» يوضّح آلية حصلت خلال تأثر الشاعر العربي ومجايليه بإليوت: «لقد رأوا كيف استطاع شاعر غربي أن يفيد رموزهم، كرمز تموز، أو أوزيريس، فنبههم إلى أمر كانوا عنه غافلين».
التأثير الأنكلوسكسوني الحاسميؤكد الكاتب إذن أثر إليوت في نشوء التموزية، موثقا ذلك بمقالة لسلمى الخضراء الجيوسي في مجلة «الآداب»، عام 1960، وبعودة إلى كتابها «الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث» لكنه يرى أن بعض الشعراء نجوا من هذا التأثير وكانوا خارج «تكافؤ الضدين» (الأنكلوسكسوني والفرنسي) ممثلا على ذلك بشاعر مثل عبد الوهاب البياتي.
يخلص الشمعة، مع ذلك، إلى إعطاء دور كبير لأثر إليوت، ولـ»كونه يمثل جزءا مركزيا من عملية مثاقفة قصدية وشاملة»، بحيث أن «تأثير إليوت على الشعر العربي الحديث، كما أصبح مسلما به لدى الباحثين والنقاد المعاصرين، يكاد يكون جوهريا وحاسما».
مثّلت تلك المثاقفة، حسب الشمعة، «نوعا من التبعية الثقافية ذات الإيقاعات الموازية للتبعية الاستهلاكية»، ما خلق مفارقة ينتبه إليها عبر التساؤل عن سبب تلك المثاقفة القصدية مع إليوت، لم تحصل مع «شعر الواقعية الاشتراكية، على الرغم من ارتفاع وتيرة التنظير الأيديولوجي؟ ».
يبرز نذير العظمة، بدوره، في دراسة حول «الحركة التموزية وأثر إليوت على بدر شاكر السياب» مصادر رئيسية لهذه الحركة، أولها النقلة التي حدثت من الدين إلى القومية، وتحديدا إلى تراث ما قبل الإسلام، الذي اعتبر جزءا من تراث المنطقة، وبذلك أصبح العديد من الآلهة كبعل وعشتار وتموز «وثيق الصلة بالجانب الروحي والثقافي النهضة العربية»، وأصبحت الأجهزة الأسطورية، أو الميثولوجيات الشرق أوسطية، بالنسبة إلى الشعراء المحدثين، رموزا أساسية للحياة والموت في لغتهم وصورهم.
شكل التراث المسيحي والعبراني المصدر الثاني من مصادر التموزية، وتفرعت عن ذلك صورة المهدي، مسيح التراث الإسلامي.
أما المصدر الثالث الذي يتصل بالاستراتيجيات النصية، أي بالأيديولوجيا، والتقنية معا، فتمثل في الشعر الإنكليزي، خصوصا شعر ونقد إليوت وأديث سيتويل.
ورأى العظمة أن هذه المصادر المتباينة: الميثولوجيا الشرقية القديمة، وشخصيات القصص التوراتي والإنجيلي والقرآني، والشعر الإنكليزي، تحكمت بمسار تطور الشعر العربي الحديث، وبالحركة التموزية خصوصا.
ما دام الحديث يدور، بشكل رئيسي عن السياب وإليوت، فإن بعض النقاد انتبهوا إلى مرحلة سابقة عليه لدى أمثال المازني والعقاد وإلياس أبو شبكة وأحمد زكي أبي شادي وعلي محمود طه الذين استخدموا الإلماعات الأسطورية الإغريقية والرومانية، التي ترجمها السياب ومجايلين له، متأثرين بإليوت و»الغصن الذهبي»، إلى بدائل من أساطير الشرق.
صايغ يكشف «الخطيئة الأولى» لنازك الملائكة!يضيف الشمعة عناصر أخرى للمؤثرات الإليوتية، مثل الإلماعة القناعية، واعتبار الحداثة حصيلة للتفاعل مع التراث وأصالة الشاعر الشخصية، وتعدد الأصوات والمونولوج الدرامي و»تحلل الحساسية» المضادة للانفصام بين الفكر والإحساس، موضحا أن المثاقفة الإليوتية أسهمت، إلى حد كبير، «في إنجاز ثورة على مستوى الشعرية العربية المعاصرة، تنطوي على قدر كبير من الابتكار»، ورافضا، مع ذلك، فكرة أن الشعراء العرب قلدوا إليوت تقليدا أعمى معتبرا أنهم، «على النقيض من ذلك، قاموا بتطوير تقنياته على نحو مناسب لأهدافهم».
يخص الشمعة، في فصل بعنوان «سلطانية الشاعر ناقدا» تجربة توفيق صايغ (الذي التقاه في ستينيات القرن الماضي في كلية الدراسات الشرقية والافريقية في لندن) بالقراءة، وذلك عبر كتاب للأخير عن نازك الملائكة يُسقط فيه هويته المسيحية على الشاعرة المعروفة، فيخلص إلى صراع في شعرها بسبب «الخطيئة الأولى»، وهو ما يعتبره الشمعة، «استبطانا لذات صايغ».
التحليل البديع الآسر لصايغ «لا يحيل إلى نص نقدي موضوعي»، بل «إلى تتويج للاهوتي على حساب الموضوعي»، وهو ما يفضي به إلى الإشارة إلى «دور التراث المسيحي في أعمال توفيق صايغ ويوسف الخال»، ملمّحا هنا إلى دور لهذا التراث في إغفال أثر ترجمة فيتزجيرالد لرباعيات عمر الخيام على إليوت ورباعياته وهو أثر دفع الباحثة الأمريكية دومبروز، إلى وصف إليوت بالممسوس برباعيات الخيام!يختص الشمعة، بعد ذلك، أيضا الشاعر نوري الجراح، في مجموعته «الأفعوان الحجري» حيث «نموذج شعري يدشن الخروج من شرنقة التموزية، ويصنع ايقونة شعرية قوامها جمالية الحقيقة».
يعتبر الشمعة مجموعة الجراح «ملحمة تقوم على تاريخ بريطاني مضمر»، تخوض «مواجهة مع تجليات المركزية الأوروبية التي ما زالت مهيمنة على الحداثة العربية».
يعود الجراح إلى المصادر التاريخية التي أهملت أو صارت جزءا من المسكوت عنه في تكوين التاريخ البريطاني، فيستخدم لوحا جنائزيا قائما منذ ألفي عام على التلال المحيطة بسور هادريان، خطت عليه باللاتينية والآرامية التدمرية أسماء المقاتلين السوريين، الذين قتلوا في الحملات الرومانية من قبل الشمال السلتي قبل ألفي عام.
يكرّس هذا النص الشعري باللوح الذي يعرقل شرعنة المركزية الأوروبية الملازمة لسيطرة بريطانيا على معظم قارات العالم، ويضع علامة استفهام على السردية المعتمدة في تكوين بريطانيا التاريخي: لماذا أغفل الدور السوري والمصري في تكوين الحضارة الغربية؟يضمّن الشمعة شغل الجراح الشعري في إعادة تعريف المركزية الأوروبية الكلاسيكية، وعدّها مركزية تعددية، ويدرج ذلك في تدرّج المصادر الأدبية التاريخية من التمسك بالمركزية.
لقد شق نقد إدوارد سعيد للاستشراق، وكتاب «أثينا السوداء» لمارتن برنال، ومساهمات عديدين، بينهم الشمعة نفسه، الطريق لعمل مثل «الأفعوان الحجري»، باعتباره «أيقونة حب عابر للجغرافيا»، تساهم في كبح جماح المركزية الأوروبية، وفي شق طريق خروج من الحركة التموزية، التي خضعت للتأثيرات الغربية الهائلة، حالا بذلك الجدلية الخلافية التي نشأت مع نشوء الشعر العربي الحديث نفسه.
يقدّم كتاب الناقد السوري المخضرم، كالعادة، مائدة معرفية هائلة، تستند إلى العمارة التي بنتها كتاباته ومقالاته ومساهماته منذ ستينيات القرن الماضي، وكما يجدر بكتاب ثرّ ومهمّ، فإنه يفتح أيضا إشكاليات وأسئلة عميقة في تشكّل الثقافة العربية الحديثة، وهي إشكاليات تحتاج اشتباكا معرفيا معها، ونقاشا ضمن النخبة الشعرية العربية.
لا بأس هنا أن نذكر، بشكل سريع، أن أحد الإشكاليات، في رأيي، قصر حركة الشعر الحديث على شعراء مجلة «شعر» و»الحركة التموزية»، في إغفال لمدارس حديثة أخرى، وشعراء مهمين كثيرين، ومهمين، ثم قصر من خرجوا على الحركة التموزية، أو طوروها، على اثنين أو ثلاثة (منهم نزار قباني الذي يجري ذكره بسرعة).
كاتب من أسرة «القدس العربي».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك