فى بعض الأعمال الدرامية لا تكون الحكاية مجرد قصة عن الجريمة أو العقاب بل محاولة جادة لفتح القلب الإنسانى وفهم ما يختبئ داخله من شروخ قديمة وأحزان تراكمت بصمت حتى صارت جزءا من التكوين النفسى للشخصية ومسلسل حكاية نرجس يقترب من هذه المساحة الحساسة حين يطرح أمامنا شخصية امرأة تبدو قاسية ومربكة ومخيفة أحيانا لكنها فى العمق ليست سوى نتاج رحلة طويلة من الألم والبحث عن النجاة.
الدراما حين تكون صادقة لا تقدم الإنسان فى صورة الأبيض أو الأسود بل تفتح أمامنا المساحات الرمادية التى يعيش فيها البشر بكل تناقضاتهم ونرجس فى هذا العمل ليست مجرد شخصية شريرة تتحرك بدافع الجشع أو الرغبة فى الانتقام لكنها امرأة تشكلت روحها فى بيئة قاسية جعلتها ترى العالم مكانا عدائيا لا يرحم الضعفاء ولذلك تعلمت مبكرا أن الدفاع عن النفس قد يتحول أحيانا إلى هجوم وأن النجاة قد تمر عبر طرق معتمة.
فى خلفية هذه الشخصية تقف طفولة مشوهة لم تعرف الحنان ولم تختبر الأمان فالطفل الذى لا يسمع كلمة حب يكبر وهو يبحث عنها فى كل الوجوه وربما يقبل فى سبيلها تنازلات قاسية وربما يتعلم أيضا أن الحب نفسه قد يكون وهما كبيرا يخذل صاحبه.
فى خلفية شخصية نرجس تقف أم قاسية ذات لسان سليط كظل ثقيل امتد فوق مصائر بناتها جميعا لم تكن القسوة هنا مجرد طبع عابر بل مناخ كامل من الإهانة والازدراء دفع كل واحدة منهن إلى محاولة الفرار بطريقتها الخاصة فظهرت الأولى خاضعة كأنها احتمت بالصمت لتنجو من سكين الكلمات بينما ذهبت الأخرى إلى الفساد كنوع من التمرد اليائس على عالم لم يمنحها رحمة أما نرجس فاختارت طريقا ثالثا أكثر تعقيدا وخطورة طريق التبرير الدائم لكل ما تفعل كى تعيش دون أن تشعر بالإهانة التى لاحقتها منذ طفولتها وفى مشهد القسم تعترف نرجس بأنها أحبت أمها لكنها الأم الوحيدة فى العالم التى لم تحب ابنتها وهنا ينكشف المفتاح النفسى الأعمق لتكوين هذه الشخصية المرعبة فالمسلسل حين يقدم هذا التاريخ القاسى لا يفعل ذلك ليطلب التعاطف مع المجرم بل ليمنحنا فهما أعمق لطبقاته النفسية وصراعاته حيث يتحول الجرح القديم أحيانا إلى قوة مظلمة تعيد إنتاج الألم بدلا من أن تشفى منه.
هذه الجملة التى تقولها نرجس تبدو للوهلة الأولى اعترافا بسيطا لكنها فى الحقيقة مفتاح قراءة كامل للشخصية لأن الطفل الذى يحب ولا يجد الحب يعود إليه قد يتعلم أن العالم كله خذله وأن عليه أن يصنع لنفسه قسوته الخاصة كى ينجو.
الدراما هنا لا تبرر الجريمة لكنها تحاول أن تفهم الطريق الذى قاد إليها فالفهم لا يعنى التعاطف المطلق لكنه يمنحنا وعيا أعمق بالإنسان وبالهشاشة التى قد تتحول أحيانا إلى قسوة وبالألم الذى قد يتحول إلى قوة مدمرة.
ما يقدمه العمل إذن ليس قصة امرأة شريرة بل رحلة إنسان تشوهت روحه فى الطفولة وحاولت أن تبنى لنفسها درعا قاسيا يحميها من العالم لكن هذا الدرع نفسه صار سجنا جديدا يحبسها داخله.
فى كثير من اللحظات نشعر أن نرجس لا تقاتل الآخرين فقط بل تقاتل أيضا صورتها القديمة تلك الطفلة التى كانت تبحث عن كلمة حب ولم تجدها ولذلك تحاول أن تقنع نفسها بأن القوة وحدها تكفى وأن القسوة قد تكون وسيلة للبقاء.
ويكتسب العمل عمقه أيضا من تكامل عناصره الفنية حيث صاغ الكاتب والمؤلف عمار صبري عالم الحكاية بوعى إنسانى واضح بطبيعة الجروح النفسية التى تصنع مثل هذه الشخصيات بينما قاد المخرج سامح علاء الإيقاع الدرامى بحس هادئ يقترب من التفاصيل الصغيرة التى تصنع الحقيقة على الشاشة دون صخب أو مبالغة لتبدو الكاميرا وكأنها تنصت لاعترافات الشخصيات أكثر مما تراقبها.
وفى هذا العالم المشحون بالتوتر النفسى يضيف الأداء التمثيلى طبقات جديدة من الحياة فتقدم ريهام عبد الغفور شخصية نرجس بحساسية لافتة تمزج بين الانكسار والقوة كاشفة هشاشة الروح المختبئة خلف القسوة بينما يمنح حمزة العيلي حضوره الهادئ عمقا إنسانيا للشخصية التى يؤديها بقدرته المعروفة على الإمساك بالتفاصيل الدقيقة للنفس البشرية كما تضيف سماح أنور بثقل خبرتها حضورًا دراميًا واضحًا فى اللحظات التى تظهر فيها وتمنح عارفة عبد الرسول الشخصية التى تجسدها دفئا إنسانيا صادقا يقترب من روح الناس البسطاء أما أحمد عزمي فيقدم شخصية مشحونة بالصراع الداخلى بصدق واضح وتكمل زوجته فى العمل هذا الخط الدرامي بوعى أدائى يمنح العلاقة بين الشخصيات قدرا أكبر من المصداقية والواقعية.
وهنا تبرز براعة الدراما حين تجعلنا نرى الإنسان خلف الخطأ لا لنغفر له بل لندرك أن كل جريمة لها حكاية وأن كل قسوة قد يكون خلفها جرح قديم لم يجد من يضمده.
ربما لهذا السبب تظل شخصية نرجس مقلقة ومؤثرة فى الوقت نفسه لأنها تضعنا أمام السؤال الأصعب ماذا يحدث للإنسان حين يكبر دون حب وماذا يمكن أن يفعل الألم حين يتحول إلى جزء من تكوين الروح الدراما الجيدة لا تقدم الإجابات الجاهزة لكنها تفتح أبواب التفكير وتجعلنا نرى أنفسنا والآخرين بقدر أكبر من الفهم وربما بقدر أكبر من الحذر أيضا فليس كل من صار قاسيا ولد كذلك وأحيانا يكون الشر مجرد ظل طويل لطفولة لم تجد من يحتضنها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك