إلى جانب ما سبق ذكره في مقال الأمس، هناك ثلاث روايات من العينة التي اخترتها هنا تطرقت أو اقتربت من سرد بعض جوانب مفهوم الحرب العادلة بطريقة أو بأخرى، وهى «سداسية الأيام الستة» لإميل حبيبى، و«أم سعد» لغسان كنفانى، وهما فلسطينيان، و«عصافير الفجر» للبنانية ليلى عسيران، فالأولى قدمت بعض الأسباب التي تجعل من مقاومة الاحتلال الإسرائيلى فريضة واجبة، من خلال عبارات متتالية على ألسنة بعض شخصياتها، أوضحت بجلاء مدى الظلم والقهر الذي تعرّض له الفلسطينيون، حتى أولئك الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية.
ومن بين هذه العبارات واحدة تقول: «هذا هو الزقاق الذي أعلنت الحكومة عن أنها تنوى توسيعه وتمدينه وبدأت تُخلى سكانه لهدم بيوتهم»، وأخرى تتحدث عن فتاة من القدس «طردوها من المدرسة لأنها اشتركت في مسيرة، واعتقلوا خطيبها»، وثالثة تروى قصة امرأة تُدعى «جبينة» «خطفها النوَر وظلت والدتها تبحث عنها وتبكيها حتى انهدت وانطفأ النور في عينيها»، ليس هذا فحسب، بل إن الشرطية اليهودية التي كانت تهرب رسائل سجينة فلسطينية من حيفا إلى والدتها، اتهموها بأنها عضو في تنظيم سرى مع الفتاة الحيفاوية، وهو «محض تشويه لصداقة بريئة بين فتاتين من شعب واحد».
وتُكمل رواية «أم سعد» مسيرة هذه الأسباب حين ترصد الحياة القاسية التي يعيشها الفلسطينيون في المخيمات، حيث الفقر المدقع والمستقبل الغامض، فضلاً عن العدوان المتلاحق للطيران الإسرائيلى.
وتضيف «عصافير الفجر» إلى ذلك الكثير، من خلال تطرقها إلى الظروف التي مر بها الشعب الفلسطينى عقب هزيمة يونيو 67، وتلخصها في عبارة جامعة حين تصف الفلسطينيين بأنهم «بشر بعيدون عن الحياة، مستبعدون عن صخب الأضواء، ومبعدون عن حق النطق بكلمات لا يجدونها، لكنهم يحسونها، لكنهم يتألمونها».
ثم تفصل الرواية هذه العبارة في العديد من الممارسات القسرية اليومية التي يكابدها الفلسطينيون، حيث الاعتقالات والتعذيب، وتفتيش البيوت وانتهاك حرمتها، وهدم المنازل وطرد أهلها.
إلخ.
ومن خلال ما سبق تمهد الروايات الثلاث للشعارات التي ترفعها حول حق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، أى حقهم في ممارسة شكل معين من أشكال الحرب العادلة من أجل استرداد الأرض المغتصبة، والدفاع عن العرض والكرامة.
فأم سعد تحث الشباب على التطوع في صفوف المقاومة، وتفتخر بأن ولديها أصبحا فدائيين، وها هى تقول عن ولدها الأكبر سعد: «أود لو عندى مثله عشرة.
وإذ لم يذهب سعد، فمن سيذهب؟ »، ثم تزغرد حين ترى ابنها الثانى، سعيد، يتدرب على القتال ليكون فدائياً.
وتحرض رواية «عصافير الفجر» دائماً على مقاومة الاحتلال، سواء من خلال السرد الذي يأتى على لسان الراوى أو الحوار الذي يقوم بين شخصياتها، أو الممارسات التي يفعلها شبان فلسطينيون وهبوا أنفسهم من أجل تخليص وطنهم من براثن المحتل، يمثلون أبطال هذه الرواية، التي تنتهى بجملة أثيرة هى «ثورة حتى النصر»، أو ما تقدم عليه فتيات فلسطينيات، يمثلن بعض شخصيات رواية «سداسية الأيام الستة»، حيث يناهضن الاحتلال فيُلقى بهن في غياهب السجون.
ورغم بطش المحتل وغطرسته، فإن المقاومة لا تلين لها قناة، ولا تعرف الخوف أو التراجع، في ظل الاقتناع التام بعدالة قضيتها، وهو الوضع الذي ترسم رواية «ملف الحادثة 67» بعض ملامحه، حين تنظر، في صورة رمزية، للمقاومة على أنها رجل برىء حمَّلته الأنظمة العربية مسئولية هزيمة 67، لكنه «لديه قدرة خارقة على احتمال التعذيب»، ولديه إيمان قاطع بأنه لن يموت أو يغيب، فابن المتهم حين يصرخ: «بابا راح.
بابا راح»، يرد عليه الأب: «أبداً.
أبداً.
أنا لن أذهب.
سأجىء».
وهى نبوءة قد حققتها، فيما بعد، انتفاضة الحجارة الفلسطينية الأولى، التي أجبرت إسرائيل على الجلوس مع منظمة التحرير الفلسطينية على مائدة المفاوضات، وأوجدت للشعب الفلسطينى نمطاً فريداً من المقاومة، ظهر بجلاء خلال انتفاضة الأقصى، أو «الانتفاضة الثانية»، كما يحلو للبعض أن يطلق عليها، وهى التي اندلعت في سبتمبر عام 2000.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك