كانت الدولة العثمانية تقف على مفترق طرق حاسم، بين الانهيار المتسارع ومشاريع الإصلاح المتأخرة، في ظل نظام عالمي جديد بدأ يتشكل على أنقاض الإمبراطوريات التقليدية.
لم تكن أزمة الدولة العثمانية مجرد أزمة مؤسسات أو اقتصاد، بل كانت تعبيرًا عن أزمة هوية عميقة، تفاقمت نتيجة تغلغل النفوذ الأجنبي، وتصاعد النزعات القومية، وتفكك الرابط الديني الذي شكل عماد الدولة لقرون.
في هذا السياق المضطرب، برز السلطان عبد الحميد الثاني بوصفه أحد آخر الزعماء المسلمين الذين حاولوا التصدي لهذه التحولات، ليس فقط من خلال الحفاظ على ما تبقى من بنية الدولة، بل من خلال استعادة موقعها الروحي والسياسي باعتبارها مظلة جامعة للعالم الإسلامي.
بلغ السلطان عبد الحميد سدة الحكم سنة 1876 في لحظة حرجة من تاريخ الإمبراطورية العثمانية، التي أصبحت تُعرف حينها باسم" الرجل المريض"، نتيجة التراجع العسكري والهزائم المتتالية، والضغوط الأوروبية المتزايدة على الولايات التابعة لها.
لم يكن صعوده إلى السلطة محض انتقال سلمي، بل جاء في أعقاب عزل أخيه السلطان مراد الخامس، وسط توقعات متباينة بشأن قدرته على إنقاذ الدولة.
غير أن السلطان عبد الحميد الثاني، الذي جمع بين الذكاء السياسي والنزعة المحافظة، سرعان ما بادر إلى تنفيذ إصلاحات داخلية شاملة، دون أن يتخلى عن المرجعية الدينية الإسلامية، التي رأى فيها حصن الدولة الأخير.
أولى السلطان أهمية بالغة لإعادة بناء مؤسسات الدولة وفق نموذج مركزي أكثر انضباطًا.
أعاد تنظيم الإدارة، ووسّع من نطاق التعليم الديني، واهتمّ بإعادة ربط الولايات البعيدة بالمركز العثماني عبر مشاريع البنية التحتية الكبرى، وعلى رأسها مشروع سكة حديد الحجاز، الذي لم يكن مجرد إنجاز تقني، بل كان خطوة استراتيجية لتعزيز التواصل بين أطراف الدولة الإسلامية وربط الحجاز قلبًا وجسدًا بالعاصمة المركزية إسطنبول.
كما أطلق مشروعًا فكريًا وسياسيًا عُرف باسم" الرابطة الإسلامية"، يقوم على تعزيز الارتباط بين المسلمين على اختلاف أعراقهم ومذاهبهم في مواجهة النزعات الانفصالية، مستغلًا موقعه بوصفه خليفة للمسلمين، في وقت بدأت فيه الهوية القومية تتغلغل إلى جسد المجتمعات المكوّنة للدولة العثمانية.
بالإضافة إلى مشاريعه الداخلية، واجه السلطان عبد الحميد التحديات الخارجية بمنهج حذر وحاسم في آن واحد.
ويُعتبر موقفه من المشروع الصهيوني في فلسطين أحد أبرز الشواهد على وعيه العميق بخطورة المخططات الاستعمارية.
فقد بدأ تيودور هرتزل، زعيم الحركة الصهيونية ومؤسسها، سلسلة محاولات للحصول على موطئ قدم في فلسطين، مستخدمًا أساليب دبلوماسية وإغراءات مالية وصلت إلى حد عرض تسديد ديون الدولة العثمانية مقابل السماح لليهود بشراء أراضٍ في فلسطين.
ورغم الأزمة الاقتصادية الخانقة التي كانت تمر بها الدولة في تلك الفترة، رفض السلطان هذه العروض رفضًا قاطعًا، مؤكدًا أن فلسطين ليست ملكًا شخصيًا له، بل وقف إسلامي لا يمكن التفريط فيه، وأنه يفضل أن يُقطَّع جسده على أن يُبتَر جزءٌ من أرض الإسلام.
لم يكن هذا الموقف مجرد تحدٍّ سياسي، بل كان تعبيرًا عن موقف عقائدي واستراتيجي متكامل.
لقد أدرك السلطان أن التنازل عن أرض فلسطين لا يعني فقط تفريطًا في أرض مقدسة، بل هو بداية فتح الباب أمام تفكيك المشرق العربي، وزعزعة استقرار المنطقة بأسرها، وتحويل مركز الثقل من الأمة الإسلامية إلى المشروع الاستيطاني المدعوم من القوى الغربية.
كما أن موقفه هذا كان نابعًا من فهمه لوظيفة الدولة العثمانية في التاريخ الحديث، باعتبارها الحامية لحقوق المسلمين في مواجهة تغوّل الغرب.
مع تصاعد الضغوط الداخلية، وتزايد نفوذ جمعية" الاتحاد والترقي" ذات النزعة القومية والعلمانية، واجه عبد الحميد ما يمكن اعتباره حربًا مزدوجة من الداخل والخارج.
لم تقبل هذه النخبة بطروحاته الإسلامية، ورأت في سياساته عائقًا أمام التحديث على النمط الأوروبي.
وبدعم من بعض القوى الغربية، نجح هؤلاء في إجباره على إعادة العمل بالدستور عام 1908، ثم عزله عن الحكم في العام التالي، لتنتهي بذلك مرحلة السلطان عبد الحميد وتدخل الدولة في مرحلة انحدار سريعة قادتها إلى التفكك والانهيار بعد الحرب العالمية الأولى.
لم يكن سقوط السلطان عبد الحميد الثاني مجرد تغيير في القيادة، بل كان إيذانًا بانتهاء عهد الدولة المركزية الجامعة، ودخول العالم الإسلامي في عصر التبعية والتجزئة.
فقد لحقت بفلسطين الكارثة بعد سنوات قليلة من عزله، حين وُضع الانتداب البريطاني على أراضيها، ومُرِّر وعد بلفور، وبدأت موجات الاستيطان الصهيوني تتسارع، في ظل غياب مظلة سياسية تحمي الأمة وتدافع عن قضاياها المركزية.
وهكذا، تحول السلطان عبد الحميد في الذاكرة الإسلامية من سلطان إلى رمز، ومن حاكم إلى ملهم، لما شكّله من نموذج للممانعة والربط بين السيادة السياسية والعقيدة الدينية.
اليوم، وفي ظل ما تشهده الأراضي الفلسطينية من تهجير وقتل وقصف مستمر، لا سيما في قطاع غزة، تبدو استعادة سيرة السلطان عبد الحميد الثاني ليست ترفًا تاريخيًا، بل ضرورة فكرية لفهم جذور المأساة وموقع الخلل.
لقد كان السلطان عبد الحميد يرى في فلسطين جزءًا من جسد الأمة، وليس ورقة سياسية قابلة للتفاوض.
وإن المقارنة بين موقفه ومواقف بعض الأنظمة العربية والإسلامية اليوم تجاه ما يحدث في القدس وغزة تبرز الفارق الكبير بين زمن كانت فيه السيادة مرتبطة بالأمانة والمسؤولية، وزمن تراجعت فيه القضية الفلسطينية إلى مجرد ملف سياسي تُحدَّد أولوياته وفق الحسابات الخارجية والمصالح الضيقة.
ما يزال تاريخ عبد الحميد يقدم دروسًا في الرؤية البعيدة، والارتباط العميق بقيم الأمة.
وإن من واجب الباحثين والمهتمين بتاريخ العالم الإسلامي أن يعيدوا قراءة هذه المرحلة، لا من منظور الحنين، بل بهدف تفكيك الأسباب التي جعلت من السلطان عبد الحميد آخر من حمل راية الدفاع عن العالم الإسلامي في وجه مشاريع التفتيت والتقسيم.
لقد مثّل عزله نهاية خط الدفاع الأخير، ومن بعده بدأت مرحلة جديدة من التشرذم والانقسام والتبعية، وهي المرحلة التي لا تزال الأمة تعاني من نتائجها حتى الآن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك