بعد زيارة نتنياهو قاعدة جوية إسرائيلية، نشر طاقمه خبراً (استعراضياً) مفاده تفعيل طائرة مُسيّرة لتشنّ غارة على إيران.
ورئيس الوزراء الإسرائيلي مهووس بالصورة منذ بداية الحرب، ربّما لمسح صور" 7 أكتوبر" (2023)، ففي أيامها الأولى نشر صورة له يتحدّث مع الرئيس ترامب، وأمامه صورة كتاب" Allies at War"، مع خريطة كبيرة للمنطقة، وصورة أخرى له على سطح الكرياه في تل أبيب، وكلّها رسائل من شخص مهووس بالرمزيات.
قبيل الهجوم على إيران، قال نتنياهو في اجتماع للمجلس الوزاري الأمني: " القوة وحدها هي التي تجدي نفعاً، وعندما يخشاك الناس".
وفي خطابه الأول في بداية الحرب، قال: " هذه الحرب ستقود إلى سلام حقيقي"، وهو الشيء الوحيد الذي تطرّق إليه ضمن أهداف حملته الجارية، عندما تطرّق إلى" التطبيع" هدفاً لها، بينما تُركت الأهداف الأخرى سرّيةً.
لا يمكن فهم كثير ممّا يجري في المنطقة، من حروب ودمار وإعادة رسم حدود القوة والهيمنة، بمعزل عن تصريح نتنياهو بعد" 7 أكتوبر" عن تغيير الشرق الأوسط، وهو نفسه لا ينفك يذكّر به.
في اليوم السابع للحرب على إيران، قال: " لقد جعلنا من إسرائيل قوة إقليمية تردع أعداءنا وتهزمهم.
نحن نغيّر وجه الشرق الأوسط"، وتحوّلت هذه الجملة إلى لازمة أثيرة له.
وفي نهاية عام 2024، عندما كان يغلق كثيراً من الدوائر، حوّل جزءاً من محاكمته بتهم الفساد إلى" تأمّل" في التاريخ، وقال: " حدث هنا شيءٌ جلل، زلزال لم يحدث منذ مائة عام، منذ اتفاقية سايكس بيكو".
يحمل التصريح تصوّرات نتنياهو الحالية؛ الحدود ليست دائمة، والنفوذ قد يتوسّع، والإقليم تتغيّر فيه مراكز القوى.
سياسة ترامب صارت واضحةً تجاه العالم عموماً: الأنظمة يجب أن تسير وفقاً للتصور الأميركيمن جهة أخرى، نشر البيت الأبيض مقطع فيديو يمزج فيه لقطات لهجمات صاروخية مع مقاطع من لعبة" كول أوف ديوتي".
إذ تظهر لقطات هجمات حقيقية في إيران، مع إضافة مؤثّرات من اللعبة.
بينما اتخذ ترامب قرار الحرب وهو على متن الطائرة لإلقاء خطاب بعنوان" الهيمنة الأميركية على الطاقة"، وعند نزوله من الطائرة وسؤاله عن قراره بشأن الحرب، قال إنه" لن يعطي سبقاً صحافياً".
لكنّه اتخذ قرار الحرب من دون أهداف معلَنة، باستثناء الفرصة المتاحة لاغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.
وأمضى ترامب يومين من الحرب وهو يسعى، بعكس تصريح وزير خارجيته ماركو روبيو إن دخول الحرب كان بعد اكتشاف الاستعدادات الإسرائيلية لها، إلى تأكيد أنه صاحب قرار الحرب، و" ربّما هو من دفع إسرائيل إليها"، رغم تقارير سابقة أكّدت إمضاء نتنياهو وقتاً كثيراً في الحديث معه عن إيران وخطرها في منتجعه، وخصوصاً في زيارة نهاية عام 2025، التي ربّما سيُكشف أنها كانت حاسمةً في مسار الحرب.
لكن المهم أميركياً أن هذه الحرب تُقدَّم من دون أوهام، فترامب ليس معنياً بـ" نشر الديمقراطية في إيران"، كما قال، لكنّه مهتم بالانخراط في اختيار زعيم إيران المقبل، مستشهداً بالنموذج الفنزويلي الذي نجح (من وجهة نظره) فيه، فقد اعتبر أن" البلاد استسلمت سريعاً"، على عكس إيران التي نقل مبعوثه ويتكوف عن ترامب استهجانه عدم استسلامها قبل الحرب.
بينما كان التصريح الثابت الوحيد وسط تقلّباته كلّها المطالبة بالاستسلام غير المشروط، وربّما هذا تصوّر ترامب العام عن إعادة صياغة الوضع القائم في المنطقة من خلال نظام إقليمي جديد.
أمّا الأخطر في سلوك أميركا فهو امتلاكها وزير دفاع" مسياني"، يختزن التصورات الخلاصية كافّة عن العالم، ينطلق بها من الوشوم على جسده وصولاً إلى خطاباته الصاخبة عن الحرب، كما تأتي على وقع خطاب الوزير روبيو في مؤتمر ميونخ للأمن، الذي سعى فيه إلى إعادة صوغ صورة أخرى من صراع الحضارات.
نتنياهو لم يعد يثق إلا بالقوة، إذ تكون الحرب القاعدة، والقصف أداة التفاوضوسياسة ترامب صارت واضحةً تجاه العالم عموماً: الأنظمة يجب أن تسير وفقاً للتصور الأميركي، تصوّره شخصياً مستنداً إلى رؤية إمبراطورية، فهو يخطف رئيساً من فنزويلا، ويهدّد كوبا، ويلمّح إلى مصير مشابه مع كولومبيا والمكسيك حال عدم تجاوبهما معه، ويهاجم إيران التي لم تستسلم، بينما يحصل رئيس وزراء بريطانيا، كير ستارمر، على حصّته من الهجوم.
سيخبرنا التاريخ عن مدى مساهمة نتنياهو في جرّ ترامب إلى حرب كانت إيران قد قدّمت عشيتها التنازلات كافّة في المفاوضات، لكن المؤكّد حالياً أن الحرب الإسرائيلية - الأميركية المشتركة تحقّق أمنيات نتنياهو القديمة، على يد صاحب مجلس السلام، ومن ادعى مراراً إنهاء حرب عمرها ثلاثة آلاف عام، بعد اتفاق وقف إطلاق النار في غزّة.
كان اللقاء بين صاحب إسبارطة عصرنا ورئيس أميركا، نهاية العام المنصرم، حاسماً في التوجّه نحو الحرب، في ظلّ مسار تصعيد تُرك مفتوحاً في أساسه، وتحت حقيقة أن نتنياهو لم يعد يثق إلا بالقوة، إذ تكون الحرب القاعدة، والقصف أداة التفاوض، والتصعيد العسكري هو معيار العلاقة مع الدول.
تقود أميركا بالشراكة مع إسرائيل المنطقة إلى واحدة من أكثر مراحلها خطورةكانت العبارة المكتوبة على الحائط، المعروفة منذ" 7 أكتوبر"، أن موقف إسرائيل الأساسي هو: لا قوة تحيط بإسرائيل، ولا إدمان على الوضع الراهن، ولا عمليات قصيرة دورية، ونهاية تصوّرات جز العشب.
وصارت الخطوط بين الهدنة والحرب وأيام القتال والهدن الهشّة ملتبسة، بينما كان يهدّد أيّ طموح في المنطقة، إذ قال نتنياهو سابقاً: " من يحلم بإقامة إمبراطوريات في المنطقة فلينسَ الأمر".
وفي ظلّ التصعيد الحالي، فإن نتنياهو المهووس بالحرب الأبدية في طريق" نصره المطلق"، صار مع انحسار كل حرب في المنطقة يذهب إلى واحدة أخرى أكبر وأوسع، ويبدأ فيها من نقطة النهاية السابقة، ولكنّه في كلّ مرّة يدفع إلى توتير المنطقة أكثر، وإدخالها في حرب ليست حربها، ولكنّها حرب نتنياهو الاختيارية.
وللتذكير، 2023 و2024 هما أول عامين منذ 1982 تعود فيها إسرائيل إلى احتلال أراضٍ عربية جديدة، وفيها عادت إلى الحديث عن مشاريع تهجير علنية.
ومعها كرّر نتنياهو سعيه إلى تجاوز فكرة" الأرض مقابل السلام" والقضية الفلسطينية مرّة أخرى، ضمن مشروع تصفية سياسية مستمرّة لها.
كلّها تُظهر رغبة نتنياهو في" إعادة تشكيل الشرق الأوسط"، فحروب نتنياهو لم تعد مجرّد استجابة أمنية لظرف طارئ، إنما هي جزء من مسعى طويل إلى إعادة صياغة المنطقة وفق التصوّر الإسرائيلي.
وعلى قاعدة واحدة، قالها سابقاً: " في الشرق الأوسط، وفي العالم القاسي الذي نعيش فيه، من أجل البقاء يجب أن تكون قوياً.
كان هذا صحيحاً في زمن هرتزل، وهو صحيح بشكل مضاعف في عصرنا".
كان التصوّر الإسرائيلي المتشابك مع سلوك نتنياهو ينظر إلى جبهات الشرق الأوسط بوصفها جبهات مفتوحة، وهي رؤية تتقاطع مع تصوّر عن إعادة صوغ" شرق أوسط جديد"، على أساس النفوذ المفتوح والمناطق الأمنية والمدى الذي تصل إليه طائرات إسرائيل.
ولعلّ ذلك يمكّننا من فهم السلوك الإسرائيلي في لبنان، الذي انتظر ذريعة أولى لتمدّد برّي وحملة قصف واسعة، لم تحدث ردّاً على إطلاق صواريخ، بل ضمن مخطّط مسبق، بات ينظر إلى المحيط أهدافاً يجب أن تتحوّل إلى مناطق نفوذ.
تغيّرت المنطقة، وتمكّنت إسرائيل من إضعاف خصومها، وتواصل تهميش القضية الفلسطينيةتقود أميركا بالشراكة مع إسرائيل المنطقة إلى واحدة من أكثر مراحلها خطورة.
تحمل الحرب" وعداً أميركياً" بفوضى دائمة وطويلة، يتابعها نتنياهو، الذي كان يُعلن نيّته قبل أيام من الحرب في إنشاء محور جديد في مواجهة محور سنّي يتشكّل، ومحور شيعي أفل، ويكرّر في بداية حرب إيران أن إسرائيل تتحوّل إلى قوة إقليمية.
نتنياهو المهووس بصورته، وبكيفية تذكّره في التاريخ، يبالغ كثيراً، ويتحدّث عن المستقبل وكأنّه حصيلة ناجزة، لكن تصوّره عن الشرق الأوسط الجديد يُصاغ وفق منطق الجدار الحديدي: استعراض، وممارسة قوة، ونفوذ واسع، واستعداء للمحيط بهدف" استسلامه".
هذا هو إيمان نتنياهو بـ" إسرائيل الكبرى"، وهو الواقع الذي يتحقّق، لا بتمديد الحدود، ولو حصل بشكلٍ محدود، ولكن عبر غطرسة الهيمنة.
الآن، ما تُعلنه إسرائيل أنها لن تتسامح مع أيّ قوة على حدودها، هذا موقفها بعد هجوم" 7 أكتوبر"، وهذا ما نفّذته في جولات العدوان الممتدّة في المنطقة، بذريعة ومن دونها.
ومع هذه الحرب، فإن إيران لن تبقى كما كانت، سواء على مستوى نظام الحكم، أو في علاقتها مع محيطها.
تغيّرت المنطقة، وتمكّنت إسرائيل من إضعاف خصومها إلى الحدّ الأكبر، وتواصل مسار تهميش القضية الفلسطينية.
لكن ماذا يريد نتنياهو؟عندما تغيب استراتيجية الخروج وشكل" النصر المطلق"، كما علّمتنا حرب غزّة الطويلة، تبقى إدارة الواقع في إسرائيل رهينة العدوان، والقصف المتواصل، والاعتداءات من دون توقّف، ونشر الأزمات المتكرّرة في المنطقة، وفي ظلّ ذلك؛ محاولة فرض شرق أوسط جديد بالقوة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك