وجدت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني نفسها تحت ضغوط سياسية خلال جلسة في مجلس الشيوخ الإيطالي، بعدما تعرضت لانتقادات من أحد نواب المعارضة بسبب علاقاتها الوثيقة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي اتهمه النائب بالتسبب في “الدمار” في الشرق الأوسط والتقارب مع روسيا ومحاولة إضعاف أوروبا وحلف شمال الأطلسي (الناتو).
لكن رد ميلوني فاجأ حتى صاحب السؤال، السيناتور كارلو كاليندا.
فلقد قالت ميلوني: “سيناتور كاليندا، بصراحة لا أعتبر تقييماتك للرئيس ترامب بعيدة عن الواقع” - وذلك وفق تقرير لصحيفة" واشنطن بوست" الأمريكية.
ويشير تقرير" واشنطن بوست" إلى أنه مع اندلاع حرب في الشرق الأوسط بعد أن بادر بها ترامب، بدأ القادة الأوروبيون الذين أقاموا علاقات وثيقة معه يراقبون تحوّل هذه العلاقة من رصيد سياسي إلى عبء.
وربما يتجلى ذلك بشكل أوضح في إيطاليا، حيث تحاول ميلوني — التي تُعرف أحيانًا بأنها “أكثر قادة أوروبا قربًا من ترامب” — المناورة سياسيًا، فهي تدين ما تصفه بالنظام الإيراني الخطير، لكنها في الوقت نفسه تثير تساؤلات حول شرعية الحرب.
وفي تصريحات أدلت بها أول أمس /الأربعاء/، أدانت ميلوني الضربة التي استهدفت مدرسة إيرانية وأسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 175 شخصًا، معظمهم أطفال، مطالبة بسرعة تحديد المسؤول عمّا وصفته بـ“المجزرة”، في وقت تتزايد فيه الشكوك في وسائل الإعلام الإيطالية حول احتمال مسؤولية الولايات المتحدة عن الهجوم.
وفي المناسبة نفسها، حذّرت ميلوني، زعيمة حزب إخوة إيطاليا اليميني الشعبوي، من “تدخلات أحادية الجانب تُنفذ خارج إطار القانون الدولي”.
كما أعلنت أن العالم يشهد “انهيار نظام عالمي مشترك.
وهذه عملية بدأت منذ بعض الوقت، لكنها وصلت الآن، في رأيي، إلى نقطة تحول واضحة”.
وترى الصحيفة الأمريكية أنه بخلاف قادة آخرين في الغرب، حاولت ميلوني تقديم هذا التوصيف بوصفه قراءة موضوعية للواقع، لا حكمًا سياسيًا مباشرًا.
وأرجعت تآكل القانون الدولي إلى الحرب الروسية على أوكرانيا.
وفي الوقت نفسه، بدت متفقة مع أهداف الولايات المتحدة بقولها: “لا يمكننا تحمّل وجود نظام يقوده آيات الله يمتلك أسلحة نووية”.
لكن السيناتور كاليندا، وهو وزير سابق تربطه بها علاقة عمل، اعتبر أن تصريحاتها بشأن الحرب ضد إيران تمثل نقطة تحول في موقفها من ترامب.
وقال في مقابلة: “لقد كانت تدافع فعلاً ليس فقط عن ترامب، بل عن قيم حركة ماجا أيضًا.
لكن ما غيّر كل شيء هو هذه الحرب.
فحتى داخل قاعدتها الانتخابية هناك غضب شديد مما يحدث”.
وأضاف: “الحقيقة أن ترامب صار غير محبوب جدًا في إيطاليا، وهذه الحرب غير شعبية للغاية”.
وفي حين تصدّر رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الاشتراكي من يسار الوسط، عناوين الأخبار بسبب معارضته الصريحة لإدارة ترامب بشأن الحرب مع إيران، يرى مراقبون أن الإشارة الأكثر إثارة للقلق بالنسبة للبيت الأبيض تأتي من ردود فعل أقرب حلفائه الأوروبيين من القادة اليمينيين والشعبويين، الذين وجدوا أنفسهم الآن في موقف دفاعي.
ففي ألمانيا، أثار الهجوم الأمريكي على إيران جدلاً داخل حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف.
إذ انتقد زعيمه المشارك تينو خروبالا، ترامب في مقابلة إذاعية، قائلاً إن الرئيس الأمريكي قد يُذكَر في التاريخ لا بوصفه “رئيس سلام بل رئيس حرب”، ما أثار اعتراضات داخل الحزب من مؤيدي ترامب.
وفي سلوفاكيا، وجّه رئيس الوزراء روبرت فيتسو — الذي كان قد وصف ترامب سابقًا بأنه “زعيم عملي وعقلاني” — انتقادات أشد للهجوم على إيران، قائلاً في خطاب مصوّر: “نشهد دليلًا إضافيًا على الانهيار الكامل للنظام الدولي والتجاهل التام للقانون الدولي.
القوى الكبرى تفعل ما تشاء”.
أما رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، الذي يحتفظ بعلاقات وثيقة مع ترامب، فقد حاول اتباع نهج أكثر حذرًا.
فرغم دعمه للرئيس الأمريكي، أشار في مقابلة تلفزيونية إلى أنه نصحه بعدم خوض الحرب، محذرًا من أن الصراع قد يؤدي إلى موجات هجرة جديدة وارتفاع أسعار الطاقة.
ويرى محللون أن أوربان يسعى إلى النأي بنفسه عن الحرب “من دون إغضاب ترامب”، خصوصًا في ظل انتخابات صعبة تنتظره قريبًا.
وفي إيطاليا، تأتي هذه التطورات في توقيت حساس لميلوني، التي تستثمر رأس مالها السياسي في استفتاء مرتقب حول إصلاح القضاء يُنظر إليه أيضًا بوصفه اختبارًا لثقة الناخبين في حكومتها.
وقال الصحفي الإيطالي المخضرم فيروتشيو دي بورتولي إن محاولة ميلوني لتحقيق توازن في علاقتها مع ترامب “انهارت فعليًا مع اندلاع الحرب في إيران”، مضيفًا: “أكبر مخاوفها اليوم هي خسارة الدعم الشعبي بسبب حرب ليست حربها”.
ومع ذلك، نفى حلفاؤها وجود أي تراجع في العلاقة مع واشنطن.
إذ قال النائب الأوروبي نيكولا بروكاشيني إن “شيئًا لم يتغير في العلاقة بين إيطاليا والولايات المتحدة، أو بين ميلوني وترامب”، معربًا عن أمله في “القضاء على التهديد الإيراني”.
لكن تراجع شعبية ترامب في إيطاليا صار واضحًا.
فقد أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة YouGov في يناير أن 77% من الإيطاليين يحملون نظرة سلبية تجاهه.
ومع ارتفاع أسعار الوقود في محطات البنزين الإيطالية خلال حرب يرى كثيرون أنها بلا هدف واضح، صارت صداقة ميلوني مع ترامب موضع اختبار حقيقي.
كما لم تسلم رئيسة الوزراء من هجمات المعارضة.
إذ قالت إيلي شلاين، زعيمة الحزب الديمقراطي المعارض: “لا يمكن للحكومة الإيطالية أن تبقى تابعة للإدارة الأمريكية، وإلا ستلحق ضررًا لا يمكن إصلاحه بالدور الدبلوماسي الذي لعبته إيطاليا دائمًا في المنطقة”.
وأضافت ساخرة: “الصداقة التي تقول ميلوني إنها تجمعها بترامب لم تدفعه حتى لإبلاغها مسبقًا بالهجوم، لدرجة أن وزير دفاعنا كان عالقًا في دبي عندما أُغلق المجال الجوي”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك