في دراسة معمقة نشرتها منصة" آر كيو ون" (RQ1) البحثية، المتخصصة في جسر الهوة بين الأكاديميا وغرف الأخبار، فجر الباحثان باتريك بيرنهاغن وريتشارد فان دير فورست مفاجأة علمية تتعلق بالعلاقة الجدلية بين الميول السياسية للصحفي وجودة إنتاجه المهني.
وكشفت الدراسة، التي شملت عينة واسعة من الصحفيين في ألمانيا وسويسرا والنمسا، أن القناعات الأيديولوجية ليسار الوسط التي يتبناها قطاع واسع من العاملين في الإعلام لا تؤدي بالضرورة إلى" انحراف" المحتوى نحو اليسار، بل قد تنتج في كثير من الأحيان تقارير تتسم بالدقة والموضوعية التي تتقاطع مع المعايير اليمينية التقليدية في الانضباط والتحقق.
قناعات شخصية مقابل انضباط مؤسسيويوضح الباحثان مارك كودينغتون وسيث لويس، في تحليلهما للدراسة، أن الصحفيين ذوي الميول اليسارية يمتلكون دافعا ذاتيا قويا للعب دور الحارس (Watchdog) على السلطة والمؤسسات.
ومع ذلك، فإن هذه الرغبة في المحاسبة تصطدم بـ" جدار الحماية" المهني داخل غرف الأخبار، إذ يجد الصحفي نفسه مضطرا للالتزام بمعايير صارمة من الدقة والإسناد لتجنب اتهامه بالتحيز.
السر يكمن في البيئة المؤسسية، حيث تعمل القواعد التحريرية الصارمة ككوابح تمنع تسلل الرغبات الشخصية إلى النص الخبريويشير بيرنهاغن إلى أن هذا الضغط المهني يدفع الصحفي اليساري أحيانا لإنتاج محتوى يتسم ببرود التحليل ودقة الأرقام، وهي سمات كانت تُنسب تاريخيا للمدرسة الصحفية المحافظة أو اليمينية في رصانتها.
ويرى فان دير فورست أن السر يكمن في البيئة المؤسسية، حيث تعمل القواعد التحريرية الصارمة ككوابح تمنع تسلل الرغبات الشخصية إلى النص الخبري.
وبدلا من أن يكتب الصحفي ما يشعر به، فإنه يوظف قيمه الإنسانية مثل العدالة والمساواة كمحرك للبحث والتقصي، لكنه يلتزم ببروتوكولات التحقق التي تجبره على تقديم الرأي والرأي الآخر، مما ينتج في المحصلة جودة صحافة تتجاوز التصنيفات الأيديولوجية الضيقة.
غرف الأخبار التي تفتقر للتعددية السياسية قد تقع في فخ النقاط العمياء، حيث يغفل الجميع عن زاوية معينة للخبر لأنهم جميعا ينظرون من العدسة نفسها.
تنوع الخلفيات كضمانة للجودةمن جانبه، يؤكد سيث لويس أن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود صحفيين بآراء يسارية، بل في غياب التنوع الفكري داخل الفريق الواحد.
وتشير الدراسة إلى أن غرف الأخبار التي تفتقر للتعددية السياسية قد تقع في فخ النقاط العمياء، حيث يغفل الجميع عن زاوية معينة للخبر لأنهم جميعا ينظرون من العدسة نفسها.
لذا، فإن" الصحفي اليساري الذي ينتج محتوى متوازنا هو ثمرة نظام رقابي داخلي يحترم المعايير المهنية فوق القناعات الذاتية.
ويخلص التقرير إلى أن جودة الصحافة هي المسطرة الوحيدة التي يجب أن يُقاس بها الأداء، فالميول الشخصية قد تكون وقودا للبحث والتقصي، ولكنها لا تملك حق كتابة العنوان النهائي.
ويشدد بيرنهاغن على أن قدرة الصحفي على فصل مشاعره السياسية عن واجباته المهنية هي العلامة الفارقة بين الناشط والصحفي المحترف، مؤكدا أن أفضل أنواع الصحافة هي تلك التي تجعل القارئ عاجزا عن تخمين الميول السياسية لكاتب التقرير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك