على وقع تكثيف إسرائيل غاراتها على الأراضي اللبنانية، رافعة مستوى عملياتها على نحوٍ كبير في بيروت وضاحيتها، وكذلك تهديداتها بمهاجمة بنى تحتية مدنية في لبنان، تتجه الأنظار في الميدان أيضاً إلى القرى الحدودية جنوبي البلاد، حيث تُسجَّل توغلات إسرائيلية في محاور عدة، مع دفع إسرائيل بمزيد من جنود الاحتياط، بما يعزّز المخاوف من احتمال الاجتياح البري القريب.
وقبيل بدء عدوان 2 مارس/آذار 2026، عقب إطلاق حزب الله صواريخ باتجاه إسرائيل، كان جيش الاحتلال يتمركز في خمس تلال استراتيجية في الجنوب اللبناني، رافضاً الانسحاب منها خلافاً لما ينصّ عليه اتفاق وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، قبل أن يوسّع وجوده إلى سبع نقاط بزعم ضمان أمن سكان الشمال، علماً أنه تمركز في نقاط جديدة في فترات لاحقة، من دون حسم عددها رسمياً من جانب السلطات اللبنانية، كما نفذ في أكثر من مرة عمليات توغل بري لبعض القرى، إذ أقدم على تفجير منازل ومبانٍ وطرقات، من دون أن تُسجَّل أي اشتباكات معه.
اليوم، يكثر الحديث عن سيطرة إسرائيل على نحو 18 نقطة على صعيد القرى الحدودية في إطار خطة عسكرية أوسع تتجاوز مجرد عمليات تكتيكية محدودة، مع تزايد التقديرات أيضاً بنيّات إسرائيلية حقيقية لإنشاء منطقة عازلة داخل لبنان، ربطاً بإنذارات الإخلاء الواسعة التي شملت شمال نهر الليطاني ولم تقتصر على جنوبه، والضربات العنيفة التي تطاول العمق الجنوبي.
وفي قراءة عسكرية شاملة، يتوقف منسّق الحكومة اللبنانية لدى اليونيفيل سابقاً العميد منير شحادة، في حديثه مع" العربي الجديد"، عند ثلاثة مستويات:ويقول شحادة: " إسرائيل لا تعلن عادةً أسماء كل المواقع بدقة، لكنها تشير إلى أنها نقاط تكتيكية على الشريط الحدودي موزَّعة على ثلاثة قطاعات: الغربي، الأوسط، والشرقي.
وغالباً ما تكون هذه النقاط عبارة عن تلال استراتيجية ومواقع مراقبة تشرف على القرى الحدودية، وأطراف بلدات حدودية مدمّرة أو شبه خالية من السكان، ومواقع كان يتمركز فيها مقاتلو حزب الله أو منصّات صاروخية، ونقاط قريبة من الطرق العسكرية داخل الشريط الحدودي".
ويضيف: " أبرز المناطق التي تدور حولها العمليات عادة تشمل محيط بلدات مثل: الناقورة – علما الشعب – الضهيرة (القطاع الغربي)، يارون – مارون الراس – عيترون – بنت جبيل (القطاع الأوسط)، العديسة – كفركلا – مركبا – ميس الجبل (القطاع الشرقي)، وهذا ليس احتلالاً كاملاً للبلدات، بل نقاط عسكرية صغيرة أو تلال ومواقع مراقبة تسمح للجيش الإسرائيلي بإدارة المعركة من داخل الأراضي اللبنانية".
وحول الهدف الحقيقي من السيطرة على هذه النقاط، يقول شحادة: " بداية يجب أن أوضح أن إسرائيل بحربها على لبنان صيف 2024، التي دامت 66 يوماً، كان هدفها احتلال كامل منطقة جنوب الليطاني، لكنها فشلت بسبب صمود المقاومة في حينها، أما الآن فهي تعود لتحقيق هذا الهدف ولكن تباعاً، ووفقاً لقدرة المقاومة على التصدي لهذا التوغل".
ويردف شحادة أن هناك عدداً من الأهداف العسكرية والسياسية المترابطة:إنشاء منطقة عازلة داخل لبنان.
هذا المصطلح الذي لطالما استعملته إسرائيل إعلامياً واضعة هدفاً له أنها تريد حماية المستعمرات الشمالية من الصواريخ المباشرة، ولكن في الحقيقة أنها تلعب على عاملي مرور الزمن والذاكرة لكي تصبح هذه المنطقة العازلة جزءاً لا يتجزأ من الكيان الإسرائيلي، وما الجولان المحتل إلا مثال واضح على ذلك.
إذاً الهدف الأساسي هو فرض حزام أمني بعمق كيلومترات عدّو شمالي الحدود يمنع تمركز الصواريخ أو المقاتلين قرب المستوطنات الإسرائيلية، وهذا يشبه إلى حد كبير الحزام الأمني الذي أقامته إسرائيل بين 1985 و2000".
تطبيق ما تسميه إسرائيل الدفاع المتقدّم، أي نقل خط المواجهة إلى داخل الأراضي اللبنانية بدل أن يكون عند الحدود، بمعنى آخر، القتال في القرى اللبنانية وليس داخل الجليل".
تدمير البنية العسكرية القريبة من الحدود، إذ إنّ إسرائيل تحاول عبر هذه التوغلات كشف الأنفاق والتحصينات، تدمير منصّات الصواريخ المضادة للدروع، جمع معلومات استخبارية عن انتشار حزب الله، وغالباً ما تكون التوغلات استطلاعاً بالنار واختباراً للدفاعات قبل أي عملية أكبر.
كذلك، يتطرق شحادة إلى الضغط السياسي على لبنان، إذ إنّ الوجود داخل الأراضي اللبنانية يهدف أيضاً إلى فرض واقع ميداني جديد، والضغط على الدولة اللبنانية لتنفيذ شروط أمنية في الجنوب، وربما دفع المجتمع الدولي لفرض ترتيبات أمنية جديدة.
وحول المكان الذي يمكن أن يصل إليه هذا التوغل، يقول شحادة إن هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة:تثبيت حزام أمني محدود، الأكثر ترجيحاً حالياً، شريط بعمق 3 إلى 5 كيلومترات داخل لبنان، ونقاط عسكرية ثابتة، وقصف مستمر للقرى، أي احتلال تكتيكي وليس اجتياحاً شاملاً.
توسع العمليات حتى نهر الليطاني، وهذا الذي أرجحه.
هذا السيناريو يعني اجتياحاً واسعاً، والسيطرة على كامل الجنوب حتى نهر الليطاني، لكن هذا الخيار مكلف جداً لإسرائيل بسبب التضاريس الصعبة، وحرب العصابات، والخسائر البشرية.
إذا ارتفعت الخسائر أو تدخلت الضغوط الدولية، قد يتحول التوغل إلى عمليات محدودة، ثم انسحاب مع إبقاء قواعد نار جوية فقط.
تبعاً لذلك كله، يشير شحادة إلى أنّ" إعلان السيطرة على 18 نقطة لا يعني احتلال الجنوب، بل يشير إلى بناء شبكة مواقع عسكرية داخل الأراضي اللبنانية تمهيداً لإقامة منطقة عازلة، واختبار قدرة حزب الله على القتال البري، وفرض واقع أمني جديد على الحدود"، مضيفاً: " بمعنى آخر، إسرائيل تحاول تغيير قواعد الاشتباك في الجنوب بحيث تصبح الحدود الفعلية للمعركة داخل لبنان وليس عند الخط الأزرق".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك