كثيراً ما أجد نفسي أمام سؤال أخلاقي وسياسي بالغ الحساسية: أيهما يتقدم في منظومة الحقوق، حق الإنسان في الأمن وسلامة حياته، أم حقه في التعبير عن ولائه المذهبي؟ إن التجربة الحقوقية، مدعومة بالفلسفة السياسية وتجارب التاريخ وتعاليم الأديان، تقودنا إلى نتيجة واضحة مفادها أن الحق في الأمن وسلامة الأرواح هو الحق الأعلى الذي تقوم عليه بقية الحقوق، وأن أي ولاء مذهبي لا يمكن أن يعلو على حق الإنسان في الحياة.
فمن المنظور الحقوقي، تُعد حماية الحياة الإنسانية حجر الأساس لكل منظومة العدالة.
فلا معنى لحرية الاعتقاد أو التعبير إذا كان الإنسان يعيش تحت تهديد الخوف.
إن الإنسان الذي يشعر بأن حياته مهددة لا يستطيع ممارسة أي حق آخر، لأن الحق في الحياة هو الشرط الأول لكل ممارسة إنسانية.
ولهذا جاءت المواثيق الدولية لحقوق الإنسان لتضع سلامة الإنسان في مقدمة الحقوق التي لا يجوز المساس بها.
فقد نصت المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن “لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه”، وهو مبدأ يؤكد أن حماية الإنسان من الخطر تأتي في صدارة منظومة الحقوق.
كما أكد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في مادته السادسة أن الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان، وعلى القانون أن يحمي هذا الحق، ولا يجوز حرمان أي إنسان من حياته تعسفاً.
وفي الوقت نفسه، تعترف المواثيق الدولية بحرية الدين والمعتقد، لكنها تربط ممارستها باحترام النظام العام وحقوق الآخرين.
فقد نصت المادة الثامنة عشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حرية الفكر والضمير والدين، إلا أن هذه الحرية لا يمكن أن تُفسَّر بما يهدد سلامة المجتمع أو يعرّض حياة الآخرين للخطر.
ومن موقع المسؤولية الحقوقية، يصبح من الواجب التأكيد على أن الولاءات المذهبية ينبغي أن تبقى ضمن إطارها الثقافي والروحي.
فالاختلاف المذهبي في جوهره تنوع فكري وروحي، لكنه يتحول إلى خطر عندما يُستخدم لتبرير العنف أو تغذية الانقسام داخل المجتمعاتوفي ظل العدوان الإيراني الآثم على مملكة البحرين، تتأكد أهمية هذا المبدأ أكثر من أي وقت مضى.
فمملكة البحرين تحتاج اليوم إلى ترسيخ أولوية أمن الإنسان البحريني وسلامة المجتمع فوق أي ولاءات مذهبية.
إن حماية الأرواح وصون الاستقرار ليست مجرد مسؤولية الدولة وحدها، بل هي أيضاً مسؤولية أخلاقية ومجتمعية يشترك فيها الجميع.
ونسأل الله أن يحفظ مملكة البحرين وأهلها، وأن يصونها من كل عدوان، وأن يديم عليها نعمة الأمن والاستقرار، وأن تبقى أرضها واحة تعايش وسلام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك